هكذا هو
الإنسان، وهكذا فُطِر، عاشقاً للخطيئة راغباً فيها، ما إن يتلمّسها من بعيد حتى
ينغمس فيها حتى الذوبان. هل تعتقد أن الشيطان قد أغوى آدم كي يخطأ؟ هل تصدق أن
الشيطان هو من زين له أن يأكل من الشجرة – شجرة المعرفة أو شجرة الخلد أو مجرد
شجرة التفاح لن يشكل ذلك فارقاً-. آدم هو من ذهب للخطيئة، هو من فكر فيها وأحبها
وورّثها أبنائه من بعده، ومع ذلك فآدم لا يُلام على خروجنا من الجنّة فأيُّنا كان
سيخطيء ذات الخطأ .
حدّثتنا الأرض
عن آدم كيف أنّه حين هبط إليها لم يتكيّف مع طبيعتها وأهلها، اجتهد كي يحتفظ
بسماته النورانيّة بعيداً عن تفاهات الكائنات الأرضية، لم يُدرك أن الأرض تلفظ
الكائنات النورانيّة وتكرههم وأنّها ذاتها طُردت من السماء ذات يوم لأنها حين رأت
آدم أحبّها وأحبّته وفضّلت أن تكوه مأوى لبني الإنسان على أن تكون مهوى للملائكة.
الأرض حين رأت آدم اهتزّت وتزلزلت، سقط الملائكة من على سطحها فاشتكوا للرب، الرّب
حكم عليها بالنفي فسقطت من السماء في انتظار معشوقها آدم. ظلّت الأرض حيناً مُظلمة
قاحلة كالقمر، باردة موحشة كالقبر، أبعد ما تكون عن السماء وعنايتها، حتى أسرّت
لها النجوم بخطيئة آدم – هي تعلم أن الخاطيء يترك الملكوت حتماً- حينها أخذت الأرض
زينتها وتهيّأت لآدم.
حين هبط آدم أول
مرة إلى الأرض، لم يعرفها ولم تتعرف عليه، إنها خلقته وهيئته وملامحه، ولكنه ليس
آدم الذي عرفته وأحبته، ليس ذاك أجلّته حين سجدت له الملائكة رغماً عنها، ليس ذلك
الذي لم يتحرك إلا وفقاً لهواه ولم يفعل إلا ما تمليه عليه روحه، ليس ذاك الذي وقف
أمام الشجرة مُتحدّياً كل قوانين السماء . أصبح ضعيفاً خائفاً خانعاًن سقط شموخه
وانحنى ظهره وكُسِرَت هيبته. آدم الذي هتكت جبهته حجاب السماء يوماً، يحني الآن جبهته
كأذلِّ ما يكون. الأرض أصابتها الخيبة حين أيقنت أن آدم خرج من الجنّة خروج
المطرود المعاقب لا خروج الثائر المنفيّ، وليته خرج محتفظاً بكرامته !!
حدّثنا آدم عن
الشيطان وعن الخطيئة وعن الغواية، آدم الذي ارتضى أن يوصف بالأحمق، فضّل أن يُعرف
بفريسة الشيطان على أن يُعرف بالثائر على قوانين السماء. آدم اختار لنفسه –ولرعيته
من بعده- الانضمام إلى حظيرة أغنام الرّب،
لكنّه لم يُدرك أنّه حين خرج من الجنّة منفياً فقد خرج من الحظيرة التي تُؤيه
بعلفها ومائها ورحابتها إلى أرضٍ جرداء لا يرعى فيها سوى الوحوش.
حدّثنا كيف أن
الشيطان أصابته الغيرة حين رآه أول مرة، كيف أنه رفض السجود له كما سجد الملائكة،
كيف دبّر له المكيدة وكيف خدعه وامرأته. كيف أن الشيطان كان يتبعه في خطوه، كلما
ارتقى آدم سلماً في السماء وجد الشيطان هناك، كلما هبط منزلةً وجده هناك، أينما
ذهب يجد الشيطان ويجد أثره. حتى بعد حادثة السجود، اعتكف الشيطان عند الشجرة
المحرّمة وهو يعلم جيداً أن ذلك سيثير حفيظة آدم وزوجته لقد كرهه الشيطان وتوعّدهُ
منذ اللحظة الأولى، وها هو الآن مطروداً من الجنّة معاقباً من قِبل الرّب بسبب غواية
الشيطان.
حدّثنا الشيطان
عن آدم، وكيف كانت علاقتهما منذ البدء، كيف خُلقا سوياً وسكنا السماء سوياً وكيف
تصارعا سوياً وكيف انتهى بهما الأمر على الأرض. كيف خلقه الله من النّار مختلفاً
عمّن حوله من الملائكة، وكيف أن الرّب قد أمره –كما أمر بقية الخلائق- أن يعبده
وألّا يسجد لمخلوقٍ سواه، وكيف أن الرّب ميّزه عن بقية المخلوقات فلم يأمره بعملٍ
ولم يكلّفه بطاعة. هكذا خُلِق الشيطان وهكذا علّمه الرّب.
حين خُلق آدم
كان هو الآخر مختلفاً في تكوينه وفي خلقه وفي طبيعته، ظنّه الشيطان طفرةً أخرى في
الملكوت لا يختلف عنه، لكنّه كان مُخطِئاً فآدم كان مختلفاً، كان المفضّل عند
الرّب. حين أمر الرّب الخلق بالسجود لآدم لم يسجد معهم الشيطان، ليس لغيرةٍ من آدم
ولا لعصيانٍ لأمر الرّب، لكنّه فضل الوقوف طاعةً لله. حين أتاه الأمر بالسجود حار
الشيطان، كيف يأمره الرّب بالسجود لآدم، وهو الذي أمره من قبل بألّا يسجُد
لمخلوقٍ، ظنّ الشيطان أن في الأمر اختباراً لآدم فختار أن يُطِع الأمر الربّاني
الأول ولا يسجد، ولكنّه أيقن –بعد فوات الأون- أن الاختبار كان له هو وليس لآدم.
طُرد الشيطان من
الرحمة، أصبح أول الخاطئين وأول العاصين لأمر الرب، هو لا ينكر ذلك، لكنّه يُنكر
أنه غوى آدم أو أقنعه بالأكل من الشجرة. لم تكن تلك هي شجرة الشيطان المفضلة قبل
خلق آدم، أما بعد حادثة السجود فقد أصبحت الجنّة ملكاً لآدم ولامرأته ولم يبق
للشيطان سوى تلك الشجرة التي حرّمها الرب على آدم وروجته، لكن ذلك لم يكن كافياً
لآدم، ظل يراوده عن شجرته، يختلس النظر إليها ويقترب منها يوماً بعد يوم، حتى
امتدت يده إليها، وحين عاقب الرب آدم على عصيان أوامره، تعلّل آدم بأن الشيطان
أغواه، فحكم الرب على الشيطان بالنفي مع آدم للأرض .
0 قول رأيك:
Post a Comment