Monday, January 20, 2014

صانع الأحلام

ألم يكن من الأفضل أن يحتفظ في ذاكِرَتِه ببعض أحلام الآخرين ليستخدمها الآن، مُتناسِياً فشله في تكوينِ أحلامه الذاتيّة، بينما يهوى جسده للأسفل وتُجاهد روحه كي تتشبث ببعض الأنفاس عَلّها تنجح في العبور إلى الضفة الآخرى من السماء!

مازال يذكر المرة الأولى حين حدَّثَهُ والده عن تراث عائلته الذي بدأ منذ الأزل -لا أحد يعلم تحديداً من بدأه أو متى- لكنّه ظَلَّ تِقليداً مُتوارثاً في العائلة؛ أن يُنجبَ الأب منهم ذكراً واحداً فقط ليحمل إرثَ العائلة ويملك القدرة على صناعة أحلام الآخرين، حتّى حين حاول بعضهم أن يخرق التقليد ويستزيد من الأبناء، لم ينجُ منهم سوى ذكرٌ واحد

بالطبع فكر البعض - على طول تاريخهم- أن يختص نفسه ببعض الأحلام أو أن يستأثر بأمنيةٍ معيّنة، ولكنهم باءوا بالفشل واحداً تِلوَ الآخر؛ فقد أَبَتْ الأقدارُ -حين وهبتهم القدرة على صناعة الأحلام- إلا أن تسلبهم الطاقة على أن يحلُموا لأنفسهم. حَتّى من حاول منهم التخلص من تلك اللعنة -كما أطلق عليها البعض- لم يُفلح في مفارقتها إلّا بالموت

والآن وقد اندثر والده، قد بات لِزاماً عليهِ أن يعمل على إيصال الأحلام من السماء إلى منامات أهل الأرض.
في البِدْء حاول أن يفك ما يحمله من طلاسم وترانيم وأهازيج، حاول أن يمزجها سوياً لكنّه لم يستطع أن يصل إلى شيءٍ مفهوم، غَيّرَ كثيراً في النِسَبِ وفي التوافُقات لكنّها أبداً لم تُعطِهِ شيئاً ذو معنىً، حتّى أنّهُ حاول مِراراً أن يسرِق أحلام الآخرين -وهي في طَوْرِ التكوين- وسكبها داخل جمجمته، لكنّهُ ظَلَّ مُصمتاً -كما كان آباؤُه من قبله- لا يشعر بشيءٍ ولا يحصل على شيء

رُبَّما الخُدعةُ تكمُن في أنَّك لا تجمع بين مزج الأحلام و رُؤيتها! رُبَّما فقدُ القُدرةِ على صنع الأحلام هو سبيله الوحيد للاستمتاع بها

ألم يكُن من الأفضل أن يحتفظ في ذاكرته ببعض أحلام الآخرين ليستخدمها الآن
!

Friday, September 6, 2013

مبسوط!

ليلة كان فيها القمر ميّت
والصحاب تايهين
والوجع بس اللي صاحي
وقلبها هو اللي كان مستعد يسمعك
ليه مارضتش تحكيله؟
ليه انتظرت إن القمر يرجع
أو الوجع يخلص
وإن الصحاب يصحوا
ليه انتظرت اللي انقضى إنه يعود
ليه انتظرت إن الحياة هتمل عوايدها
وهتبتدي تحبك
ليه انتظرت إن القلب اللي مات م العطش يطرح خضار
وأنت أدرى الناس إن اللي مات مش بيرجع
ليه ما ارتضتش بالحلم الوحيد اللي عاشلك
دلوقتي مافضلش من روحك غير السكوت
مبسوط؟!

Sunday, January 6, 2013

وجبة من اللحم

الأربعاء - الحادي عشر يونيو
"اليوم هو الأول بعد الأربعمائة ونحن بلا قطرة مطرٍ واحدة". هكذا أخبرتنا أمي، أنا لا أذكر التواريخ بالدقة التي تذكرها بها أمي، أمي هي التي تحفظ كل التواريخ وكل الأحداث وكل الأسماء عن ظهر قلب، إن في مقدورها أن تخبرك عن تاريخ عائلتك كله بمجرد أن تذكر لها اسم والديك!
تحدّثنا أمي –في استمتاعٍ غريب- عن زمنٍ كانت تنهمر فيه الأمطار دون توقف، فتتدثّر الأرض بالخضرة وتدُبُّ الحياة في أرجاء الوادي، تُحدّثنا عن زمن الأزهار والأشجار وحيوانات الحديقة. تنظر لها تريزا الصغيرة في بلاهة، مسكينة تريزا فهي لا تذكر أياً من هذا، كان عمرها بضعة أسابيع حين هطل المطر لآخر مرة، كل ما تعرفه تريزا هو الجفاف، كل ذكرياتها لا تحوي سوى الصحراء والموت واللون الأصفر!
تقول جدّتي أن الجفاف الذي حلّ بنا إنما هو غضبٌ من السماء لن يمحوه سوى الصلاة والدعاء، صلّينا للرب وللملائكة وحتى للشيطان لعلّ أحدهم ينجينا من الموت المحدق بنا من كل ناحية، ولكنّ لم يحفل بنا أي من ساكني السماء!

الاثنين - السادس من يوليو
اليوم عادت إلينا ساتا –كلبة والدتي العجوز- حاملةً معها أربعُ جِراءٍ صغيرة بيضاء اللون. استقبلتها والدتي بفرحٍ جنونيّ، اشترت أمي ساتا منذ بضعة أعوام كي تحرس طيورها، ولكن والدي طردها حين حل الجفاف ونفقت الدجاجات، قال أنها صارت عبئاً الآن وأننا لن نستطيع تحمل إطعام كائنٍ آخر، يكفينا ما لدينا من أفواهٍ مفتوحة.
توقعت أن يطرد أبي ساتا من جديد أو على الأقل أن يضجر من وجودها، لكنّه على العكس تماماً صار أكثر سعادةً منذ أن عادت ساتا، حتى إنه خصص لها ولأطفالها حصة من ماء البئر!
منذ عودتها، صارت ساتا مركزاً للكون، كل شيء يدور الآن حول ساتا وجرائها الصغيرة، تريزا الصغيرة تقضي نهارها كله في اللعب مع الجراء، أخي جوناثان –الذي تعلم الرسم حديثاً- رسم لها أكثر من عشرين لوحة، تارةً يصورها ترتدي فستاناً وتارةً يصورها ترتدي معطفاً شتوياً ثقيلاً وتارةً أخرى يصورها مرتديةً درعاً معدنية كأبطال الحرب الرومانيين.
حتى والدي ووالدتي حين استمعت خلسةً إلى شجارهما الأخير كانا يتجادلان عن ساتا هل هي مجرد حيوان أم فرداً من العائلة

الخميس – الثالث والعشرين من يوليو
اليوم زارنا الطبيب، أحضره والدي للاطمئنان على صحة جوناثان. لقد سقط جوني من أعلى سطح المنزل البارحة حين كان يرسم لوحة للسماء، لماذا ترسم السماء يا جوني؟! لماذا تحب السماء يا عزيزي رغم أنها لا تحبك!
أخبرنا الطبيب أن جوناثان قد كُسرت ساقه وأنّه يحتاج للراحة، ولكن الكسر سيأخذ وقتاً كي يلتئم، لأن جوني مصاب بفقرٍ في الدم. -هل الدم أيضاً يصيبه الفقر! وكيف سنعالجه إذاً ونحن لا نكاد نملك شيئاً!
حين رحل الطبيب تشاجرت أمي مع أبي مرةً أخرى، سمعته يصرخ أن الأطفال بحاجةٍ للحم، جوناثان لن تُشفَ ساقه مجدداً إن لم يتناول الطعام. أطرقت والدتي دون أن تُجِب، هذه هي عادتها دوماً، حين يغالبها أبي بصراخه، إن أبي طيب القلب لكنّه سريع الغضب.
في المساء أعدّت والدتي طعاماً لم نذُق مثله منذ وقتٍ طويل، سألتها تريزا ما هذا الطعام، فتخبرها والدتي أنّه اللحم، مسكينة تريزا الصغيرة لم تذُق اللحم من قبل –آخر دجاجات والدتي نفقت قبل أن تتعلم تريزا الأكل- لا تعرف سوى طعم الفاكهة الجافة وخبز الشعير.
استيقظت في الليل على صوت عواءٍ مختلطٍ بنحيبٍ مكتوم، أسرعت خارجاً لأطمئن على ساتا، فوجدتها تقف في منتصف الباحة تنبش الأرضية وأمامها والدتي تجلس القرفصاء، لم أدر من منهما تعوي ومن منهما تنتحب.
في الصباح سألت والدتي عمّا حدث، بكت أمي مرة أخرى وأخبرتني أن ساتا كانت تبحث عن جِرائها، في البداية لم أفهم ما قالته فأعدت سؤالها، فأشاحت بوجهها بعيداً وقالت إن ساتا لا تستطيع أن تجد جرائها!
تغيّرت ساتا كثيراً،صارت تقضي نهارها في نبش الباحة وتقضي ليلها في العواء، تعلو وجهها نظرة حزينة وفي عينيها لمعة اتّهام. صارت لا تقرب الماء ولا الخبز الذي تقدمه لها أمي، تكتفي فقط في بالعواء الحزين. استمرت ساتا على هذه الحالة بضعة أيامٍ حتى اختفت أخيراً

الجمعة – الحادي عشر من سبتمبر
استيقظنا على صراخ أمّي، هرعنا نحوها فوجدناها تحمل غطاء تريزا الصغيرة وتصرخ كالمجانين. أخبرنا والدي أنها حين قامت للاطمئنان على تريزا الصغيرة لم تجدها في سريرها وأنّهما بحثا عنها في أرجاء المنزل ولم يجداها. طمأنتهما جدّتي وقالت إنها بالتأكيد خرجت للّعب، فالأطفال في هذه السن كالوحوش الغير مروّضة.
انطلقنا للبحث عن تريزا الصغيرة في الخارج، بحثنا عنها في كل بيوت القرية وفي الكنيسة وفي السوق، جُبنا كل الطرقات وكل الساحات وكل المزارع، أخي جوناثان ورفاقه نزلوا قاع النّهر للبحث عنها، لكن دونما جدوى، لم يرها أحدهم
انضم إلينا كل رجال القرية، وضعوا خطة للبحث في الصحراء وفي القرى المجاورة، سينطلقون في دائرة قطرها بضعة كيلومترات، ربما وجدها أحد الرحالة أو أحد الباعة الجائلين. يومان ونحن نبحث عن تريزا العزيزة ولكن لم نجد لها أي أثر. قرر الرجال إنهاء البحث والعودة إلى القرية بعد أن فقدوا كل أملٍ في العثور عليها
حين عدنا للمنزل، وجدنا أمي فاقدةً للنطق، تنبش الأرض كالممسوسة وأمامها تقف ساتا في صمت، تعلوها ذات النظرة الحزينة، ولكن اختفت لمعة الاتهام الراقدة بين عينيها لتسكن بدلاً منها لمعة انتصار!!!

Saturday, September 8, 2012

doesn't have a title yet


ما الذي دفعك لهذا يا حسن !! هل اعتقدت أن موتك سيكون مريحاً لي، هل ظننت أني الآن سأستطيع النوم هانئاً دون أن أحلم بمن يطعنني أثناء سُباتي، هل تخيّلت أني سأعبر الشارع دون خوفٍ من السيارات المسرعة، أم توقعت أني لن أجتنب الاحتكاك بالآخرين بعد الآن. ولماذا أخبرتني يا حسن ! كنت تعلم جيداً أني سأفكر في قتلك ولكني لن أجرؤ أبداً على فعلها، لن أقتلك أبداً يا حسن. أو ربما فعلت، ربما أرديتُ روحك –يا صديقي- حين صدّقتُ تلك العجوز الغجرية .

لم يكن من طباعي تصديق خرافات العجريين ولا نبوءات المشعوذين، ولكن شيئاً ما اختلف هذه المرة؛ لقد بدأت العجوز صادقة، شيءٌ ما في حركاتها العبثية وضحكاتها المنتشية يُخبرني أنها واثقة مما تقول، صحيحٌ أني لم أزر مشعوذة من قبل، لكنها بدت لي واثقة وهذا هو ما أقلقني بحق .
"سيقتل أحدكما الآخر، لست أدري متى ولا أين، ولكن الموت يقبع بينكما في منتصف الطريق تقريباً" . قالتها ورفعت كلتا يديها للسماء وراحت تتلوى في هيجانٍ عجيب مُكمِلةً طقوسها الغجرية المجنونة .

لم يكُن حسن صديقاً عادياً، كان يكبرني ببضعة أعوام، لكني كنت أُحِسّه بديلاً لوالدي الذي لم أره قط، تعلمت منه كل ما أعرفه -تقريباً- عن الأدب والعلم والفلسفة والتاريخ والنساء، كل ما عشته وعرفته واختبرته يوماً، كان له نصيبٌ فيه. وأقول كان لأن كُلُّ شيءٍ تغير بعد زيارتنا لخيمة تلك المرأة الغجرية .

الذهاب إلى هناك كانت فكرة حسن، أخبرني أننا سنحظى هناك بعض المرح، سنحاول خداع تلك العجوز المخبولة –على حد وصفه- ولنرى إن كان في استطاعتها كشفنا، وافقته على الذهاب بعد أن قطع لي وعداً بألا يصدق شيئاً مما ستقوله. هو لم يصدق ما قالته ولكن كنت أنا من صدقت. فقط لو أنها لم تؤدِ تلك الرقصة الأسطورية ولم ترمقني بتلك النظرة الهائمة، لو أنها لم تفعل ما فعلَته، ما كنت لألقي بالاً لما قالته ولم أكن لأفكر فيما ما حدث، ولكنها حقاً بدت تعرف عن أي شيءٍ تتحدث .

بعد انصرافنا عنها لاحظ حسن أني أجفلت، أشار باصبعه نحوي  وأطلق صوتاً يشبه الرصاص، ابتسمت في برود ورفعت رأسي نحوه ببطء، حين نظرت في عينيه علمت ان محاولته مداعبتي ليست إلا مداراةً لما شعر به من اهتزاز، وضعت يدي على كتفه قائلاً: "ماتخافش، أكيد مش أنا اللي هقتلك يا حسن" ابتسم ونظر نحوي في صمت .
كانت تلك هي المرة الأخيرة التي رأيت فيها حسن، تباعدت بيننا المسافات بعد أن كنا أقرب من اصبعين في يدٍ واحدة، صرنا نختلق العذر بعد الآخر حتى لا نلتقي ولو صدفة، حتى نفدت منا الأعذار، بعد أن كنا لا نفترق أصبحنا نجتنب أحدنا الآخر، تحول الأمر إلى مكالمات هاتفية قصيرة، ثم إلى سلامات متباعدة من الأصدقاء المشتركين، ثم إلى لا شيء .

ماذا لو كان الأمر كله مجرد هلاوس عجوز مخمورة، ماذا لو كانت هرطقات وهواجس مُشعوذة لا تدري عن أي شيءٍ تتحدث، ماذا لو كان مزحة سخيفة من حسن –ألم يكن هو صاحب الفكرة من البداية- . لكن ماذا لو كان العكس، ماذا لو أنها تقرأ الغيب فعلاً، ماذا لو كان حسن يخشاني مثلما أخشاه، ماذا لو كان يُخطط الآن لقتلي، أليس من الأفضل إذن أن آخذ حذري وأبتاع سلاحاً، أليس الأفضل أن أباغته أنا دون أن يباغتني .

"حسن مات !" صرخت بها والدتي بعد أن أجابت رنين الهاتف. كيف حدث هذا ومتى؟ هل صدمته سيارة أو ما شابه ! هل قتله أحدهم ! هل قتلته أنا ! لا أذكر أني التقيته أو تربصت به، إنني حتى لم أشترِ السلاح بعد !. "لقوه انهاردة الصبح ميت في سريره" أكملت والدتي في حشرجة .

مات حسن في الليلة التي كنت أفكر فيها أن أقتله، فعل الرب ما نويته أنا ولم أقدر على فعله. لا أدري حقاً هل هي قسوة من الله أم علامة على رحمته، لكنّها بالتأكيد قسوة مني، صدّقت أكاذيب تلك المشعوذة الخرفة وتركت صديقي في آخر أيامه، لم أكن بجواره حين كان في حاجةٍ إليّ، وآخر ما امتلكه عني هي ذكرى سيئة وربما العديد من الأفكار المخيفة والكوابيس المفزعة، إنني حتى لم أبكِه في العزاء كما كنت أتوقع، لم أبكِه كما يستحق، لم أبكِه كام أردت، في الحقيقة لم أذرف عليه دمعة واحدة، فقط جلست بجوار منير –صديقنا المشترك- في صمت.

حين عُدت من عزاءه وجدت على بريدي الإليكتروني رسالة مختصرة من حسن؛ كانت رسالة انتحار حسن لم يمُت، لقد ابتلع كمية من الأقراص المخدرة، لم يكن يُفكر في أن يقتلني –كما فكرت في قتله- لم يكن يترصدني ولم يفكر أبداً في مباغتتي، كل ما كان يخشاه هو أن أقتله أنا، فضّل الانتحار على أن يمُت بيديّ.

Wednesday, April 4, 2012

اكتمال


انتهت من ارتداء فستانها القصير، أحكمت ربط شرائط حذائها، أصلحت زينتها ووقفت تتأمل نفسها في المرآة. تبدو الآن كما تحب أن تتذكر نفسها، راقصة باليه محترفة لا يشق لها غبار، في واحدة من تلك اللحظات الأسطورية التي يذكرها التاريخ كثيراً

القاعة تعج بالجمهور، لا موضع لقدم، الآلاف مازالوا محتشدين أمام القاعة، الكل يمني نفسه بحضور العرض المنتظر لرقصتها الأسطورية. تدخل إلى القاعة فتحتبس الأنفاس، هي الآن محور الكون، الأضواء مسلطة عليها من كل ناحية، يتعالى صوت الموسيقى

تبدأ في اتخاذ وضعياتها الرشيقة، تنساب مع الموسيقى في تناغم مدهش. لم ترقص في حياتها مثل تلك الليلة، يزداد إيقاع الموسيقى فيزداد انسجامها، تتحد روحها مع الألحان، تتراقص، تطير، تنطلق، تنفلت من عقالها، تتخلص من كل قيود الجسد، وقيود النفس، وقيود الروح، ترتفع، تنساب، تسطر معنى آخر للحياة .

لا يفصلها عن الكمال سوى خطوتين للأمام ودورة واحدة ف الهواء، ترفع رأسها لأعلى، تمد ذراعيها تتمسك بالسماء، تترفع عن الأرض، ينقطع شريط حذائها الأيسر، تسقط أرضا.

لوحة تضاهي أعبث لوحات الفن التجريدي، الموسيقى تصاب بالخرس، الضجيج يملأ المكان، الجمهور ينتفض، تتعالى صيحات الاستهجان وشهقات الدهشة، هى تنكفأ على نفسها في منتصف القاعة، صامتة كالصخر باردة كالأصنام، كل شيء انتهى في لحظة

جربت الرقص بعدها لكنها لم تفلح قط في لملمة نفسها، لم تستطع النهوض مرة أخرى، الكل نسى معبودته الأجمل، فقدت رونقها وسحرها و بريق عينيها، انهارت أسطورتها الحية. هم لا يذكرون لها سوى سقطتها الأبشع، هي مازالت ترتدي زيها القصير وتحكم ربط شرائط حذائها، علها ترجع كما تحب أن تتذكر نفسها، راقصة باليه محترفة في لحظة أسطورية لا يفصلها عن الكمال سوى خطوتين للأمام ودورة واحدة ف الهواء .