Showing posts with label غربة. Show all posts
Showing posts with label غربة. Show all posts

Thursday, July 14, 2011

تواصُل


"مرحباً بك مرة أخرى، لم نرك هنا منذ فترة"  قالها لي وهو يمسك بالمقبض ليفتح الباب.
أربكني تعبير وجهه العفوي ابتلعت ريقي في صعوبة وغمغمت"حسنا .. نعم .. في الحقيقة .. أنت تعلم الظروف
"
"
حسناً، نحن نعرف. تفضل، أمازلت تذكر تفاصيل المكان؟" قالها بابتسامة رضا واسعة أشعرتني ببعض الارتياح.
"نعم، حسناً، أعتقد أني لم أغب كل هذا الوقت" قلتها وأنا أشق طريقي عبر الردهة وبين المقاعد والجالسين حتى وصلت إلى منضدتنا المعتادة خلف حوض الورود الحمراء.
وجدتها هناك، تجلس نفس جلستها المعتادة، تنظر عبر النافذة في وجوم، تراقب المارة وتعد السيارات، أمامها فنجان القهوة كما هو لم تمتد يدها إليه، بدا وكأنها مازالت تجلس ذات الجلسة لم تتحرك منذ رأيتها أول مرة .
جذبت مقعدي في هدوء وجلست، بدا وكأنها لم ترنِ بل وكأنها لم تشعر بوجودي، تحسستُ أصابعها في رقة كانت كافية لإنهاء شرودها وإعادتها لأرض الواقع. التفتت نحوي في فزع ونظرة التفكير في عينها تحولت لنظرة عتاب لذيذة .
"قد افتقدتك جدا، لماذا تأخرت كل هذا الوقت"
نظرت في ساعتي، بالفعل كنت متأخرا بعشر دقائق عن ميعادنا "حسناً، آسف، ولكني حقا لم أتأخر كثيراً"
"عشرون عاماً ولم تتأخر!!"
"ليست عشرين عاماً بالمعنى الحرفي، لقد كنا سوياً من ساعتين"
قطبت جبينها في انفعال وقالت "أخبرني عن أحوالك وعن حياتك، هل حققت شيئاً من أحلامك"
أجبتها في ملل "كل شيء على ما يرام، أنا الآن أب ولدي أسرة صغيرة أعشقها بجنون ولدي شركة هندسية صغيرة أديرها مع زوجتي، التي هي أنت بالمناسبة. ولكن لم أخبرك كل هذا، أنت تعرفين على أي حال"
ابتسمت في خجل قائلة "نعم أعرف كل هذا، لكني أسأل عنك، أخبرني عن ذاتك، هل تشعر بالرضا عما وصلت إليه"
"حسناً، أنت تعرفين أنني أستمد سعادتي من سعادة الآخرين، ولكن أستطيع أن أقول أني بخير"
حين نظرت إليها، وجدت ذلك الانفعال الملائكي الرائق –الذي كنت أعشقه- على وجهها، وجدت عينيها تلمعان، وابتسامتها تضيء، وجدتها تتألق على نحوٍ لم أره منذ عشرين عاماً
"
لكني حقاً افتقدتك، افتقدت جلستنا هذه، وحديثنا هذا، افتقدت نظرتك هذه، لمستك، ابتسامتك، لمعة عينيك، افتقدتك حقاً" قلتها واحتضنت يدها بقوة، وكأني أخشى أن تهرب مني ثانية .
لمعت الدموع في عينيها واحتضنت يدي هي الأخرى
نا أيضا افتقدتك جداً، عشرون عاماً وأنت جواري لكنك لست معي، دائماً كان همك العمل والاجتهاد وتربية الأبناء، لم تكن معي حقاً. احتجت دعمك لي، مشاركتك أفكاري، افتقدت حبك لي، شغفك حين تداعبني، حتى حينما كنا في السرير، كنت تفعلها وكأنك مرغم على أداء واجبك الأسري، لا لأنك ترغب في"
"
ولماذا لم تقولي شيئا من قبل، لماذا لم تظهري ذلك"
"كان يجب أن تشعر بي وحدك، أن تأتيني بإرادتك، لا أن أناديك"
"
حسنا، أنا هنا الآن ولن أذهب بعيدا مرة أخرى، سأظل جوارك للنهاية"
"
هذا ماقلته يوم زفافنا، أتذكر؟"
"
حسنا أذكر، لكني الآن تغيرت، لقد فعلت كل ما طلبته حتى الآن، أني اعتبرت الفكرة في البداية ضرباً من الصبيانية"
"صبيانية"
"قلت في البداية، لكنها حقاً تروقني الآن، ومادامت ترضيكي فهي ترضيني"
"لا تفعل ما يرضيني، فقط افعل مايرضيك. ألم تلحظ الفرق حين دخلت؟ الكل لاحظ ذلك، لاحظوا أنك ولأول مرة منذ عشر سنوات تبتسم "

Sunday, October 17, 2010

فلسفة الهزيمة





رغم ابتسامة الظفر على شفتيه واختلاجة النشوة في جوفه، إلا أنه يدرك جيدا أن الهزيمة حتمية وأن النهاية أقرب مما يعتقد 

لم أستطع يوماً أن أفهم فلسفته في عشق الهزيمة، هو يهوى المعارك الخاسرة، يخوضها بكامل إرادته، يقاتل بكل شجاعة وحنكة وشراسة .... ولكنه دوماً ينهزم 

إن كان لا يدرك حتمية الهزيمة في كل معاركه فهو أعمى لا يرى عواقب أفعاله وأنا لم أعتده ذلك أبداً. وإن كان يراها ويصر على الشروع في القتال فهو إما مجنون لا يعي ما يفعل، وإما مغامر مغوار يسعى لإثبات شيء ما 

هو ليس ك دون كيشوت أو شيء من هذا القبيل، أعرف جيداً أنه لا يسعى خلف مجد زائف ولا يرغب في تسجيل اسمه بين النبلاء. لكنه يعشق الخطر، ويهوى اقتحامه، ربما دفقات الأدرينالين في عروقه تخلق له شعورا بالانتشاء

هو أقرب إلى سندباد -ذلك الذي أفنى حياته في الارتحال، لكنه أبداً لا يصل- كذلك هو يفني حياته في القتال، ولكنه أبداً لا ينتصر. بالتأكيد لديه فلسفة ما، شيء ما يدفعه لذلك، شيء أكبر من النصر ومن الهزيمة وأكبر من المعركة ذاتها، شيء يراه هو أكبر من الحياة

Tuesday, October 12, 2010

مناجاة



يا إلهي 
إليك أتيتُ بغير وسيطٍ وغير ملاذٍ وغير صديق 
أتيتُك وحدي و ليس سواك لدربي رفيق 
أتيتُك ليس معي غير نفسي 
ولستُ سواك أريد 
وما كنتُ أرحلُ إلا لأجلِك 
ما جئت أرجو سواك 

يا إلهي 
أتيتُكَ أطلب منك سلامةَ روحي 
وصحةَ رأيي 
وألا أغامر بعد فوات الأوان 
وألا أظلُّ غريبا ً
وأن تجعلَ النُّور حولي لكي لا أموت
لأعرف أين طريقي 
وأين مآلي 
وأين نهاية عمري 
وأين المصير 
أتيتُك أطلب ألا أضل الطريق 
أن أكون أنا لا شبيها لغيري 
أن أكون كما شئت دوما 
و أرجوك أن تملأ القلب لي بالحياة

Saturday, August 14, 2010

أسرة


ثلاثة أشهر على الأكثر و ينتهي كل شيء
 قالها لي طبيب الأورام الشهير مواسياً بعد أن وصل الورم داخلي إلى مرحلة لا يمكن الشفاء منها. رغم قوله الصادم إلا أني لم أشعر بالأسى تجاه نفسي إذ كنت أتوقع ذلك بل و أنتظره 

ودعته و انصرفت في هدوء إلى منزلي، عندما وصلت كنت قد قررت ألا أخبر زوجتي و أولادي بذلك الخبر فلا حاجة بهم أن يحزنوا قبل الأوان، ثم إنني مازال أمامي ثلاثة أشهر كاملة لأقضيها معهم، إذن لأجعلها أسعد أيام حياتنا علّهم يذكرونني بالخير بعد رحيلي 

سآخذهم في رحلة إلى الخارج لنقضيها سويا، سنزور كل البلاد التي لا نعرفها، و نرى كل الأماكن التي طالما حلمنا بها، سنجرب أشياء جديدة و تجارب جديدة و سنعيش كما لم نفعل من قبل

مررت على شركة الطيران و حجزت التذاكر للسفر إلى باريس، اشتريت لزوجتي زهورها المفضلة و أحضرت طعام العشاء و بعض الحلويات و اتجهت إلى المنزل. حين وصلت، وجدته مظلما، كئيبا و خاليا من أي صوت، ظننت أنهم خلوا إلى النوم مبكرا 

قررت ألا أزعجهم و اتجهت إلى غرفة نومي. لم أجد زوجتي هناك فأضأت المصباح و وجدت ورقة موضوعة فوق السرير، قرأت فوجدتها رسالة من زوجتي تخبرني أن الطبيب قد أخبرها كل شيء و أنها أخذت الأولاد و ذهبت لأمها، وأنها تنتظرني هناك لأمر عليها أنا و المحامي لكتابة الوصية و لننظم سويا لحياتها و حياة الأولاد بعد رحيلي

Saturday, August 7, 2010

البريء






"
حكمت المحكمة حضوريا ببراءة المتهم من التهم الموجهة إليه" حين نطقها القاضي في آخر جلسات القضية كنت كمن ردت إليه روحه بعد انتزاعها، حين خرجت من باب المحكمة في طريقي لعربة الترحيلات كنت كمن يرى الضوء لأول مرة، رغم شدة سطوع الشمس إلا أني رحت أتطلع إليها في تلذذ لم أعهده من قبل 

إنها المرة الأولى منذ سنة كاملة التي سأشعر فيها بالحياة تدب في أوصالي من جديد، يمكنني الآن أن أتنفس بحرية وأضحك بحرية، أتقافز، ألهو، أمرح، أعيش بحرية. لا أذكر آخر مرة شعرت بهذا الإحساس من قبل، لكني أدرك جيدا أني لن أفرط فيه بعد الآن 

حين خرجت من السجن لم أجد ما تمنيته، لم أجد أحدا في انتظاري كما كنت أتوقع، لا الأهل ولا الجيران ولا الأصدقاء، لا أحد . حتى نسمات الهواء لم أجدها في استقبالي 

حين وصلت إلى حينا، أدركت حقيقة أن المتهم مدان حتى لو ثبتت براءته. الكل أصبح يتحاشاني الآن، أرى عيونهم تدور في محاجرها، أسمع همهماتهم وتهامسهم وتعليقاتهم القذرة، أشعر بنفورهم وكراهيتهم. حسنا أيها الغوغاء أنا أمقتكم أكثر، أكرهكم أكثر، أنفر منكم أكثر . 

حين صعدت وجدتها هناك تماما كما توقعت، تقف أمام باب شقتها مرتدية واحدا من أثواب نومها الشفافة التي طالما حاولت إغوائي بها ولم تفلح فاتهمتني باغتصابها. حين نظرت نحوها، شعرت بالاشمئزاز منها، شعرت بالغثيان، لكم أمقت تلك اللعينة. أردت أن أبصق عليها، أن أسبها، أن أركلها أو أحطم أنفها البلاستيكي اللامع، أردت أن أقتلها. لكني لم أفعل، فقط أشحت بوجهي عنها وأكملت طريقي نحو باب شقتي 

استمر الحال على هذه الوتيرة طيلة أسبوعين، الناس في همسهم وحديثهم وهي في سفورها وصفاقتها، وأنا لا أفعل شيئا سوى التجاهل. لكني لم أستطع كبح جماح غضبي للأبد، لم أستطع أن أسيطر على نفسي، ليس بعد الآن. قررت الانفجار بعنف، سأنتقم منها ومن الناس ومن نفسي أيضا، سأحقق ما اتهموني به، وسأفعل فيها ما يجعلها تندم على عبثها معي

حين رأيتها جذبت شعرها المموج بكلتا يدي وسحبتها منه كما يسحب العبيد، أدخلتها شقتي ورميت بها على الأرض في عنف وأغلقت الباب. لكمتها في عنف، مزقت قميص نومها، واعتصرتها في شراسة. كل ذلك وهي لم تصرخ صرخة واحدة، ولم تسقط منها دمعة واحدة. حين نظرت في وجهها لأعلن لها أني أتممت انتقامي وشفيت غليلي، وجدتها في قمة التلذذ، في عينها لمعة الشماتة وعلى شفتيها ابتسامة الظفر

Saturday, July 3, 2010

ميكروويف





حين اشترى أول جهاز ميكروويف في حياته فعل ذلك للهرب من وطأة إلحاح زوجته رغم علمه التام أنها تريده لا لشيء إلا للتفاخر

رغم سهولة استخدامه وأمانه التام فقد ظل عاما كاملا يخشى من استعماله أو حتى الاقتراب منه

حين قررت زوجته العودة لممارسة عملها أجبره ذلك أن يعتمد على نفسه ويتعلم استخدام الميكروويف لإعداد طعامه بنفسه

رغم ملاحظاته العديدة على الطعام المعد في الميكروويف، إلا إنه افتتن بتلك الآلة السحرية حتى أدمن إعداد كل شيء بها

بعد خروجه من الخدمة أصبح إعداد الطعام في الميكروويف هوسه الأول، أصبح يمتلك ستة أجهزة متنوعة الأشكال والأحجام والخصائص، كل جهاز لإعداد صنف معين من أصناف الطعام

بعد وفاته أوصى لزوجته وأبنائه بأجهزة الميكروويف الستة وتبرع بكل ممتلكاته لمصانع أفران الميكروويف



Saturday, June 26, 2010

تجاويف

لم يعد بي رغبة للقتال، فرص الانتصار وصلت إلى ما قبل الأرقام المعروفة، يستبد بي الوهن، حتى انتصاب قامتي للحفاظ على استقامة ظلي على الأرض البراح أصبحت معركة خاسرة. ربما الفكرة ليست بهذا السواد، ربما الهزيمة ليست مرة، ربما الظل يحب الانكسار 

التجاويف تظهر في داخلي، تحتل مكان الأعضاء المعروفة، بالأمس كان هنا قلبي، اليوم فراغ، اليوم هنا في داخل هذي الرأس دماغ، غدا يملأ رأسي التجاويف، حتى الروح المنتشية في أوصالي تحتلها الآن تجاويف 

لست وحدك المنكسر، الهزيمة مقدورة للجميع. كل شيء مصيره للزوال، الأرض ستتلاشى، الأفق سيبلى، حتى الزمن سيفنى. وسيأتي عصر اللاشيء، اللا أشياء ستملأ كل الكون، سيصير الكون فراغ، وسيصبح كل الكون -المعروف واللا معروف- أساطير لا ذكر لها، وستصبح تجاويف روحك أغنية للفراغ

Friday, June 4, 2010

تشتت



هامش 
"قبل الموت حياة 
بعد الموت حياة 
في البدأ يكون الموت 
ونهايتك حياة 
هل يجعل هذا الموت هو الأصل، أم الحياة" 

أرهقني البحث عن الأشياء، أرهقني التفكير، أفكر في كل شيء، وأبحث في أصل كل شيء، أعود دائما للبدايات، الانطلاق من أول الطريق أسهل. تتداخل الطرق، تتراقص على أنغام الحياة مثل الأفاعي الهندية. تتشابك، تختلط، تتبعثر الأصول. أصل إلى مرحلة انعدام التوازن، التشتت سيد الموقف. رأسي يتداعي الآن . . . . 

هامش 
"لقد خلقنا الله أحرارا، ولم يخلقنا مبتذلين" 

بين الحرية والابتذال خيط رفيع، أنا حر لأفكر ولأبدع ولأعيش. أمسك طرف الخيط، أظلل حوله كي أتحاشاه. يصيبني العشى، لا أرى الطرف ولا أرى الخيط، فقط أرى الظلال تغلف كل شيء. أصل إلى مرحلة انعدام التوازن، التشتت سيد الموقف. رأسي يتداعي الآن . . . . 

هامش 
"** تجول في نفسك حتى تصل إلى الإنسان" 

كل البشر سواء، كل الناس سواء، كلنا من ذات الأب وذات الأم، مخلوقين من الطين. يجمعنا ذات الأصل ونفس التكوين، لكن تفرقنا الطرقات. نختار الطرقات المتشابكة الحلزونية، كل طريك عكس الآخر. هل هذا يجعل كل البشر سواء؟ أصل إلى مرحلة انعدام التوازن، التشتت سيد الموقف. رأسي يتداعي الآن . . . . 

هامش 
"الكتابة تصنع العالم، الكاتب يصنع عقول القراء، الكتب تعيد صياغة الحياة" 

لكن ماذا أكتب ولمن أكتب، بعض الناس تقرأ، لكن من يشعر ما يقرأ. بعض الناس تقرأ، لكن كل الناس تنسى. الكتابة ذاتها تنسى، النسيان ذاته ينسى، الحياة ذاتها تنسى. فلماذا أكتب؟ أصل إلى مرحلة انعدام التوازن، التشتت سيد الموقف. رأسي يتداعي الآن . . . . 

هامش 
"لا أدري حقا ما يحدث، أنا لم أفتح لهواك الباب، لكني أيضا لم أغلقه" 

البوح هو الحل، الوصول ممكن، الفوز ممكن، لكن للخسارة احتمال. حسنا الآن سأصمت، لعل الصمت يبقيك جواري. هل يحسن قلبي الصمت، هل أحتمل الكتمان، هل أرضى بوجودك أم أطلب قربك أكثر. أصل إلى مرحلة انعدام التوازن، التشتت سيد الموقف. رأسي يتداعي الآن . . . . 


** من قصيدة أسئلة الأشجار لمحمد إبراهيم أبوسنة

Saturday, May 22, 2010

الحياة من حقنا



يا أيها الناس اللي أغراب عننا
أو حتى كنتم مننا
من فضلكم
من فضل أي حد عامل زيكم
ماتقربوش من أرضنا
و ماتزرعوش الجرح جوا حلمنا
و لا تمنعوش الفرحة تسكن قلبنا

من فضلكم
إدونا فرصة نعيش حياتنا بنفسنا
خلونا نتحمل غلطنا و صحنا
نرسم بإيدنا طريق حياتنا و عمرنا

من فضلكم
سيبوا الحياة توصل لنا
تسكن هنا
تعمل عمايلها ف قلوبنا و شكلنا
تقسم نصيبنا و بختنا
خلونا نوصل للإجابة بنفسنا
أصل الحياة من حقنا

Wednesday, May 19, 2010

الرحيل



لا العصافير ولا الزنابق ولا نسائم الربيع تسكن أرضنا، فقط الشوك و الخبث و الحشرات، حتى نحلات العسل الخاصة بجدتي تركت أعشاشها و بيوتها اللي بنيناها مع جدي، كل شيء ذهب و كل شيء مضى، أصبحت أرضنا كالخرائب .


لم يكن الحال كذلك قط، كانت أرضنا أفضل أرضٍ في القرية، ومنزلنا هو أغناها و أعلاها حسباً ومنزلةً، كنا مقصد الجالسين و جنة القاعدين، كان بيت جدي مفتوحٌ دوماً على مصراعيه أما الغريب قبل القريب، و أمام الراحل قبل القادم، لم ينقطع من بيتنا الزاد ولا المتزوّدين، حتى في أوقات الشدة و العسرة، كان الخير يفيض علينا و كأن البركة تأبى أن ترحل عن منزلنا .


مازلت أذكر كل شيء في منزلنا و كأنني كنت فيه البارحة . أذكر أحواض زهور الزنبق –المفضلة لدى جدتي- تتوسط أحواض البنفسج و الليلك و الياسمين و الورود الحمراء البراقة، التي يفوح عبيرها في الربيع فيضفي جواً من البهجة لا تخلو منه حديقتنا. كنا نخرج كل صباح بعد شروق الشمس، لنرى انعكاسات الضوء على قطرات الندى التي تداعب ورق الزهر كما حبات اللؤلؤ، فنقطف باقات الورد و نناولها لابنة عمي الكبرى فتنسقها في باقاتٍ زاهية الألوان لنقدمها لجدي بعد رجوعه من مجلسه المعتاد .


كنا نصحو كل صباحٍ على تناغم أصوات عصفورات الكنارِ مع  زقزقة الزرزور والعنادل في الحديقة، فنخرج لنطاردها مع كلب جدنا العجوز حتى يأخذنا التعب فنسقط أرضاً ضاحكين و العصافير ما تنفك تغرد في نفس سعادتها المعتادة


أذكر سهراتنا الصيفية حول نافورة الماء الرخامية الزرقاء في وسط الباحة، أذكر أحاديثنا و ضحكاتنا و لهونا بالماء حتى تبتل ملابسنا، و صياح أمي علينا كي نكف عن اللعب و نخلد للنوم، ولكن هيهات فالصيف هو فصل اللهو و سهرات العائلة الصيفية لا تقدر بثمن . أذكر ليالي الشتاء الباردة و اجتماعنا في حجرة جدي - أمام المدفأة الحجرية القديمة – ليقص علينا واحدة من حكاياته الرائعة التي لم يمكننا النوم دون إكمالها .


أذكر أيضاً حين مات جدي و مات معه كل طعمٍ للبهجة في منزلنا، اكتسى كل شيء باللون الأسود و الرماديّ الكئيب، العصافير رحلت والوردات ماتت و نار المدفأة انطفأت، حتى ماء النافورة المحلى بماء الورد، استولت عليه الطحالب الخضراء


أذكر اختلاف أبي مع إخوته على تقسيم المنزل والضيعة و الأملاك ، أذكر أنهم باعوا كل شيء في حوزتهم رغم بكاء جدتي و إلحاح الذكريات عليهم، إلا أنهم باعوا كل شيء و اقتسموا الريع بينهم . أذكر دموع جدتي ، أذكر آخر كلماتها و نظراتها و حديثها مع كل حجرٍ و كل قطعة قرميدٍ في المنزل، أذكر رحيلها و رحيل أبي و رحيل أعمامي و أبناءهم، و أذكر رحيل كل شيء ... كل شيء

Sunday, April 25, 2010

رحلة

لم أحبذ يوما السفر بالقطار. رغم أنه أصبح وسيلتي الأكثر استخداما في الآونة الأخيرة، إلا أني أظل مؤرقا منذ بداية الرحلة حتى نهايتها. شيء ما يخيفني في حركة القطار و صافرته، حتى اهتزازاته المعتادة فوق القضبان كانت تثير انقباضا عجيبا في داخلي . 

في أي يوم عادي كان مجرد اقترابي من محطة القطار وحده كفيلا بإثارة شجوني و استثارة أفكاري السلبية، ربما لارتباط القطار لدي بفكرة الفراق، أو ربما أحمل ذاكرة لحادث عشته في حياة أخرى . 

لكن هذه المرة كان شيئا مختلفا، لم أكن راغبا في السفر و لا مستعدا له، لكن فجأة وجدتني أدخل إلى المحطة و أقطع تذكرة للقطار المتجه إلى الشمال. إنها المرة الأولى التي أركب فيها هذا القطار و أسافر على تلك السكة المتجمدة. لا أدري حقا ما الذي دفعني لذلك، و لكن كنت كالمغيب أسير بغير إرادة مني و غير هدف 

حين صعدت إلى العربة وجدتها فارغة إلا من طفلة صغيرة لا تكاد تبلغ السابعة من عمرها تقف على أحد المقاعد، تنظر من النافذة في شرود. اتجهت نحوها و جلست على المقعد المقابل لها في صمت. بدت و كأنها لم تلحظني، ربت على كتفها في رقة، استدارت نحو في عنف و رمقتني بنظرة باردة أحسست أنها تخترق ضلوعي و تثير في قلبي القشعريرة 

تأملتها في صمت، أذكر أني رأيت تلك النظرة الباردة من قبل، إنها تشبه شخصا أعرفه، بدت علي البلاهة فابتسمت لي في خبث. حاولت اختراقها و سبر أغوار روحها -كما اعتدت أن أفعل مع مرضاي- علني أنجح في معرفة من تكون، و لكن كلما حاولت أكثر، كلما فشلت أكثر. تحولت القشعريرة الباردة داخلي إلى انتفاضة في أطرافي و شعرت بأصابعي تتجمد. تطلعت نحوي الطفلة في شراسة و مدت يدها لتلامس جبيني لمسة  غبت بعدها عن الوعي . 

لا أدري ماذا حدث بعد ذلك، كل ما أذكره أني أفقت ممددا في سريري، و تلك البرودة مازالت تأكل أطرافي. اتجهت إلى مرآتي و تطلعت نحوها في صمت، أدركت الآن أين رأيت تلك الطفلة من قبل

Monday, February 22, 2010

ماتفهمنيش

ماتفهمنيش
وماتجربش تعرفني
ولا تحاول تقرب مني و تشوفني
ولا تجرب تفسر أي حواراتي

و لا تحاول، ولا تجرب
ولا تسأل عن الحلم اللي ف عنيا
عن الكلمة اللي محبوسة ورا صوتي
عن الحالة اللي واخداني
عن الفكرة
عن المعنى
عن الدنيا اللي جوايا

ماتفهمنيش
ولا تسمع صدى صوتي
ولا تقرا ما بين السطر ف كلامي
ولا ترسم خطوط نظرية لكياني
ولا تحاول تعدي فوق حدود نفسي
تشخص ف الهوى حالتي
و تكتب معنى لحياتي

ولا تقرب ولا تجرب ولا تحاول
ولا تقرا ولا تفكر ولا تفهم
ولا تعيش الحياه فيا
عشان أصلا ماتعرفنيش

Tuesday, December 22, 2009

صبارة


في المنتصف تماماً تقبع، تبدو كنقطة خضراء باهتة غير واضحة المعالم وضعها أحط الأطفال العابثين في وسط صفحة من اللون الأصفر شديد القسوة .

يقولون أن اسمها مُشتَقٌ من الفضيلة الكبرى؛ الصبر. هي تجسيد حيّ لمعنى الصبر و القدرة على التحمل .

رغم حاجتها الشديدة للرفقاء، رغم شعورها العنيف بالوحدة، رغم رغبتها في اجتذاب الآخرين، لكنها تؤذي كل من اقترب منها .

لا حيلة لها في خلق الأشواك، لم تطلبها، لا تذكر أنها احتاجتها يوماً، كل ما نتج لها من الأشواك هو إبعاد الآخرين عنها .

نعم هي تصبر على ندرة الماء و تقلبات الطقس، تتكيف مع كل ما حولها، إلا العزلة لم تتكيف معها أبداً .

Tuesday, December 8, 2009

وحوش

أصعب حاجه

لما بتدي و تدي و تدي

و وقت ما تيجي تفكر تاخد

مابيدّوش

وقت ما تيجي تنادي عليهم

مايردّوش




بس الأغرب

وقت ما واحد فيهم يتعب

أول واحد تجري عليهم

تفتح حضنك

تاخد ايدهم

و تعدّيهم بره المحنه

و تخليهم غير الفرحة مايحسوش




لأ و الأغرب

وقت ما تبقى الدنيا سعيدة

لما يحبوا يمدوا ايديهم

يتجاهلوك

بس بيدوا لعالم تانية مايستاهلوش




بس الأصعب

وقت ما تتعب

وقت ما تحزن

يوم ما تفكر تطلب حاجه

قبل ماتطلب، مابيرضوش




تبدأ تصحى

تبدأ تعرف شكل العالم

نوع الناس اللي أنت معاهم

لأ مش ناس

شكلك عايش وسط وحوش

Friday, September 4, 2009

غريب 2


غريب (2)

قالوا إلهاً .... فاعبدوه

فقلت لا

قالوا نبياً ... مَجِّدوه

فقلت لا

قالوا شجاعاً .. أكرِموه

قلتُ لا

قالوا حكيماً .. فاسألوه

فقلت لا

قالوا فمن أنتَ

فقلتُ غريب

قالوا غريباً

فاجلدوه ..

و ارجموه ..

و ارفعوه فوق ناصية الصليب ..

ثم في النار احرقوه


Ahmed Mohamed El-Saeed