Showing posts with label قصص قصيرة. Show all posts
Showing posts with label قصص قصيرة. Show all posts

Sunday, January 6, 2013

وجبة من اللحم

الأربعاء - الحادي عشر يونيو
"اليوم هو الأول بعد الأربعمائة ونحن بلا قطرة مطرٍ واحدة". هكذا أخبرتنا أمي، أنا لا أذكر التواريخ بالدقة التي تذكرها بها أمي، أمي هي التي تحفظ كل التواريخ وكل الأحداث وكل الأسماء عن ظهر قلب، إن في مقدورها أن تخبرك عن تاريخ عائلتك كله بمجرد أن تذكر لها اسم والديك!
تحدّثنا أمي –في استمتاعٍ غريب- عن زمنٍ كانت تنهمر فيه الأمطار دون توقف، فتتدثّر الأرض بالخضرة وتدُبُّ الحياة في أرجاء الوادي، تُحدّثنا عن زمن الأزهار والأشجار وحيوانات الحديقة. تنظر لها تريزا الصغيرة في بلاهة، مسكينة تريزا فهي لا تذكر أياً من هذا، كان عمرها بضعة أسابيع حين هطل المطر لآخر مرة، كل ما تعرفه تريزا هو الجفاف، كل ذكرياتها لا تحوي سوى الصحراء والموت واللون الأصفر!
تقول جدّتي أن الجفاف الذي حلّ بنا إنما هو غضبٌ من السماء لن يمحوه سوى الصلاة والدعاء، صلّينا للرب وللملائكة وحتى للشيطان لعلّ أحدهم ينجينا من الموت المحدق بنا من كل ناحية، ولكنّ لم يحفل بنا أي من ساكني السماء!

الاثنين - السادس من يوليو
اليوم عادت إلينا ساتا –كلبة والدتي العجوز- حاملةً معها أربعُ جِراءٍ صغيرة بيضاء اللون. استقبلتها والدتي بفرحٍ جنونيّ، اشترت أمي ساتا منذ بضعة أعوام كي تحرس طيورها، ولكن والدي طردها حين حل الجفاف ونفقت الدجاجات، قال أنها صارت عبئاً الآن وأننا لن نستطيع تحمل إطعام كائنٍ آخر، يكفينا ما لدينا من أفواهٍ مفتوحة.
توقعت أن يطرد أبي ساتا من جديد أو على الأقل أن يضجر من وجودها، لكنّه على العكس تماماً صار أكثر سعادةً منذ أن عادت ساتا، حتى إنه خصص لها ولأطفالها حصة من ماء البئر!
منذ عودتها، صارت ساتا مركزاً للكون، كل شيء يدور الآن حول ساتا وجرائها الصغيرة، تريزا الصغيرة تقضي نهارها كله في اللعب مع الجراء، أخي جوناثان –الذي تعلم الرسم حديثاً- رسم لها أكثر من عشرين لوحة، تارةً يصورها ترتدي فستاناً وتارةً يصورها ترتدي معطفاً شتوياً ثقيلاً وتارةً أخرى يصورها مرتديةً درعاً معدنية كأبطال الحرب الرومانيين.
حتى والدي ووالدتي حين استمعت خلسةً إلى شجارهما الأخير كانا يتجادلان عن ساتا هل هي مجرد حيوان أم فرداً من العائلة

الخميس – الثالث والعشرين من يوليو
اليوم زارنا الطبيب، أحضره والدي للاطمئنان على صحة جوناثان. لقد سقط جوني من أعلى سطح المنزل البارحة حين كان يرسم لوحة للسماء، لماذا ترسم السماء يا جوني؟! لماذا تحب السماء يا عزيزي رغم أنها لا تحبك!
أخبرنا الطبيب أن جوناثان قد كُسرت ساقه وأنّه يحتاج للراحة، ولكن الكسر سيأخذ وقتاً كي يلتئم، لأن جوني مصاب بفقرٍ في الدم. -هل الدم أيضاً يصيبه الفقر! وكيف سنعالجه إذاً ونحن لا نكاد نملك شيئاً!
حين رحل الطبيب تشاجرت أمي مع أبي مرةً أخرى، سمعته يصرخ أن الأطفال بحاجةٍ للحم، جوناثان لن تُشفَ ساقه مجدداً إن لم يتناول الطعام. أطرقت والدتي دون أن تُجِب، هذه هي عادتها دوماً، حين يغالبها أبي بصراخه، إن أبي طيب القلب لكنّه سريع الغضب.
في المساء أعدّت والدتي طعاماً لم نذُق مثله منذ وقتٍ طويل، سألتها تريزا ما هذا الطعام، فتخبرها والدتي أنّه اللحم، مسكينة تريزا الصغيرة لم تذُق اللحم من قبل –آخر دجاجات والدتي نفقت قبل أن تتعلم تريزا الأكل- لا تعرف سوى طعم الفاكهة الجافة وخبز الشعير.
استيقظت في الليل على صوت عواءٍ مختلطٍ بنحيبٍ مكتوم، أسرعت خارجاً لأطمئن على ساتا، فوجدتها تقف في منتصف الباحة تنبش الأرضية وأمامها والدتي تجلس القرفصاء، لم أدر من منهما تعوي ومن منهما تنتحب.
في الصباح سألت والدتي عمّا حدث، بكت أمي مرة أخرى وأخبرتني أن ساتا كانت تبحث عن جِرائها، في البداية لم أفهم ما قالته فأعدت سؤالها، فأشاحت بوجهها بعيداً وقالت إن ساتا لا تستطيع أن تجد جرائها!
تغيّرت ساتا كثيراً،صارت تقضي نهارها في نبش الباحة وتقضي ليلها في العواء، تعلو وجهها نظرة حزينة وفي عينيها لمعة اتّهام. صارت لا تقرب الماء ولا الخبز الذي تقدمه لها أمي، تكتفي فقط في بالعواء الحزين. استمرت ساتا على هذه الحالة بضعة أيامٍ حتى اختفت أخيراً

الجمعة – الحادي عشر من سبتمبر
استيقظنا على صراخ أمّي، هرعنا نحوها فوجدناها تحمل غطاء تريزا الصغيرة وتصرخ كالمجانين. أخبرنا والدي أنها حين قامت للاطمئنان على تريزا الصغيرة لم تجدها في سريرها وأنّهما بحثا عنها في أرجاء المنزل ولم يجداها. طمأنتهما جدّتي وقالت إنها بالتأكيد خرجت للّعب، فالأطفال في هذه السن كالوحوش الغير مروّضة.
انطلقنا للبحث عن تريزا الصغيرة في الخارج، بحثنا عنها في كل بيوت القرية وفي الكنيسة وفي السوق، جُبنا كل الطرقات وكل الساحات وكل المزارع، أخي جوناثان ورفاقه نزلوا قاع النّهر للبحث عنها، لكن دونما جدوى، لم يرها أحدهم
انضم إلينا كل رجال القرية، وضعوا خطة للبحث في الصحراء وفي القرى المجاورة، سينطلقون في دائرة قطرها بضعة كيلومترات، ربما وجدها أحد الرحالة أو أحد الباعة الجائلين. يومان ونحن نبحث عن تريزا العزيزة ولكن لم نجد لها أي أثر. قرر الرجال إنهاء البحث والعودة إلى القرية بعد أن فقدوا كل أملٍ في العثور عليها
حين عدنا للمنزل، وجدنا أمي فاقدةً للنطق، تنبش الأرض كالممسوسة وأمامها تقف ساتا في صمت، تعلوها ذات النظرة الحزينة، ولكن اختفت لمعة الاتهام الراقدة بين عينيها لتسكن بدلاً منها لمعة انتصار!!!

Saturday, September 8, 2012

doesn't have a title yet


ما الذي دفعك لهذا يا حسن !! هل اعتقدت أن موتك سيكون مريحاً لي، هل ظننت أني الآن سأستطيع النوم هانئاً دون أن أحلم بمن يطعنني أثناء سُباتي، هل تخيّلت أني سأعبر الشارع دون خوفٍ من السيارات المسرعة، أم توقعت أني لن أجتنب الاحتكاك بالآخرين بعد الآن. ولماذا أخبرتني يا حسن ! كنت تعلم جيداً أني سأفكر في قتلك ولكني لن أجرؤ أبداً على فعلها، لن أقتلك أبداً يا حسن. أو ربما فعلت، ربما أرديتُ روحك –يا صديقي- حين صدّقتُ تلك العجوز الغجرية .

لم يكن من طباعي تصديق خرافات العجريين ولا نبوءات المشعوذين، ولكن شيئاً ما اختلف هذه المرة؛ لقد بدأت العجوز صادقة، شيءٌ ما في حركاتها العبثية وضحكاتها المنتشية يُخبرني أنها واثقة مما تقول، صحيحٌ أني لم أزر مشعوذة من قبل، لكنها بدت لي واثقة وهذا هو ما أقلقني بحق .
"سيقتل أحدكما الآخر، لست أدري متى ولا أين، ولكن الموت يقبع بينكما في منتصف الطريق تقريباً" . قالتها ورفعت كلتا يديها للسماء وراحت تتلوى في هيجانٍ عجيب مُكمِلةً طقوسها الغجرية المجنونة .

لم يكُن حسن صديقاً عادياً، كان يكبرني ببضعة أعوام، لكني كنت أُحِسّه بديلاً لوالدي الذي لم أره قط، تعلمت منه كل ما أعرفه -تقريباً- عن الأدب والعلم والفلسفة والتاريخ والنساء، كل ما عشته وعرفته واختبرته يوماً، كان له نصيبٌ فيه. وأقول كان لأن كُلُّ شيءٍ تغير بعد زيارتنا لخيمة تلك المرأة الغجرية .

الذهاب إلى هناك كانت فكرة حسن، أخبرني أننا سنحظى هناك بعض المرح، سنحاول خداع تلك العجوز المخبولة –على حد وصفه- ولنرى إن كان في استطاعتها كشفنا، وافقته على الذهاب بعد أن قطع لي وعداً بألا يصدق شيئاً مما ستقوله. هو لم يصدق ما قالته ولكن كنت أنا من صدقت. فقط لو أنها لم تؤدِ تلك الرقصة الأسطورية ولم ترمقني بتلك النظرة الهائمة، لو أنها لم تفعل ما فعلَته، ما كنت لألقي بالاً لما قالته ولم أكن لأفكر فيما ما حدث، ولكنها حقاً بدت تعرف عن أي شيءٍ تتحدث .

بعد انصرافنا عنها لاحظ حسن أني أجفلت، أشار باصبعه نحوي  وأطلق صوتاً يشبه الرصاص، ابتسمت في برود ورفعت رأسي نحوه ببطء، حين نظرت في عينيه علمت ان محاولته مداعبتي ليست إلا مداراةً لما شعر به من اهتزاز، وضعت يدي على كتفه قائلاً: "ماتخافش، أكيد مش أنا اللي هقتلك يا حسن" ابتسم ونظر نحوي في صمت .
كانت تلك هي المرة الأخيرة التي رأيت فيها حسن، تباعدت بيننا المسافات بعد أن كنا أقرب من اصبعين في يدٍ واحدة، صرنا نختلق العذر بعد الآخر حتى لا نلتقي ولو صدفة، حتى نفدت منا الأعذار، بعد أن كنا لا نفترق أصبحنا نجتنب أحدنا الآخر، تحول الأمر إلى مكالمات هاتفية قصيرة، ثم إلى سلامات متباعدة من الأصدقاء المشتركين، ثم إلى لا شيء .

ماذا لو كان الأمر كله مجرد هلاوس عجوز مخمورة، ماذا لو كانت هرطقات وهواجس مُشعوذة لا تدري عن أي شيءٍ تتحدث، ماذا لو كان مزحة سخيفة من حسن –ألم يكن هو صاحب الفكرة من البداية- . لكن ماذا لو كان العكس، ماذا لو أنها تقرأ الغيب فعلاً، ماذا لو كان حسن يخشاني مثلما أخشاه، ماذا لو كان يُخطط الآن لقتلي، أليس من الأفضل إذن أن آخذ حذري وأبتاع سلاحاً، أليس الأفضل أن أباغته أنا دون أن يباغتني .

"حسن مات !" صرخت بها والدتي بعد أن أجابت رنين الهاتف. كيف حدث هذا ومتى؟ هل صدمته سيارة أو ما شابه ! هل قتله أحدهم ! هل قتلته أنا ! لا أذكر أني التقيته أو تربصت به، إنني حتى لم أشترِ السلاح بعد !. "لقوه انهاردة الصبح ميت في سريره" أكملت والدتي في حشرجة .

مات حسن في الليلة التي كنت أفكر فيها أن أقتله، فعل الرب ما نويته أنا ولم أقدر على فعله. لا أدري حقاً هل هي قسوة من الله أم علامة على رحمته، لكنّها بالتأكيد قسوة مني، صدّقت أكاذيب تلك المشعوذة الخرفة وتركت صديقي في آخر أيامه، لم أكن بجواره حين كان في حاجةٍ إليّ، وآخر ما امتلكه عني هي ذكرى سيئة وربما العديد من الأفكار المخيفة والكوابيس المفزعة، إنني حتى لم أبكِه في العزاء كما كنت أتوقع، لم أبكِه كما يستحق، لم أبكِه كام أردت، في الحقيقة لم أذرف عليه دمعة واحدة، فقط جلست بجوار منير –صديقنا المشترك- في صمت.

حين عُدت من عزاءه وجدت على بريدي الإليكتروني رسالة مختصرة من حسن؛ كانت رسالة انتحار حسن لم يمُت، لقد ابتلع كمية من الأقراص المخدرة، لم يكن يُفكر في أن يقتلني –كما فكرت في قتله- لم يكن يترصدني ولم يفكر أبداً في مباغتتي، كل ما كان يخشاه هو أن أقتله أنا، فضّل الانتحار على أن يمُت بيديّ.

Wednesday, April 4, 2012

اكتمال


انتهت من ارتداء فستانها القصير، أحكمت ربط شرائط حذائها، أصلحت زينتها ووقفت تتأمل نفسها في المرآة. تبدو الآن كما تحب أن تتذكر نفسها، راقصة باليه محترفة لا يشق لها غبار، في واحدة من تلك اللحظات الأسطورية التي يذكرها التاريخ كثيراً

القاعة تعج بالجمهور، لا موضع لقدم، الآلاف مازالوا محتشدين أمام القاعة، الكل يمني نفسه بحضور العرض المنتظر لرقصتها الأسطورية. تدخل إلى القاعة فتحتبس الأنفاس، هي الآن محور الكون، الأضواء مسلطة عليها من كل ناحية، يتعالى صوت الموسيقى

تبدأ في اتخاذ وضعياتها الرشيقة، تنساب مع الموسيقى في تناغم مدهش. لم ترقص في حياتها مثل تلك الليلة، يزداد إيقاع الموسيقى فيزداد انسجامها، تتحد روحها مع الألحان، تتراقص، تطير، تنطلق، تنفلت من عقالها، تتخلص من كل قيود الجسد، وقيود النفس، وقيود الروح، ترتفع، تنساب، تسطر معنى آخر للحياة .

لا يفصلها عن الكمال سوى خطوتين للأمام ودورة واحدة ف الهواء، ترفع رأسها لأعلى، تمد ذراعيها تتمسك بالسماء، تترفع عن الأرض، ينقطع شريط حذائها الأيسر، تسقط أرضا.

لوحة تضاهي أعبث لوحات الفن التجريدي، الموسيقى تصاب بالخرس، الضجيج يملأ المكان، الجمهور ينتفض، تتعالى صيحات الاستهجان وشهقات الدهشة، هى تنكفأ على نفسها في منتصف القاعة، صامتة كالصخر باردة كالأصنام، كل شيء انتهى في لحظة

جربت الرقص بعدها لكنها لم تفلح قط في لملمة نفسها، لم تستطع النهوض مرة أخرى، الكل نسى معبودته الأجمل، فقدت رونقها وسحرها و بريق عينيها، انهارت أسطورتها الحية. هم لا يذكرون لها سوى سقطتها الأبشع، هي مازالت ترتدي زيها القصير وتحكم ربط شرائط حذائها، علها ترجع كما تحب أن تتذكر نفسها، راقصة باليه محترفة في لحظة أسطورية لا يفصلها عن الكمال سوى خطوتين للأمام ودورة واحدة ف الهواء .

Sunday, March 4, 2012

لقاء

لا يدري ما الذي ذكره بها الآن بعد كل هذا الوقت، بعد أن نجح مؤخراً في التعود على غيابها وتصديق أنها لم تعُد جزءاً من حياته كما كانت في السابق وأصبحت مُلكاً لرجلٍ آخر . بعد أن كان قد تخلّص من ذكراها وبدأ في إعادة التفكير في نفسه وحياته ومحيطه ودائرته الذاتية المُغلقة، فإذا بها تعود بكل عنفوانها وسيطرتها وسطوتها القديمة لتستحوذ على كيانه من جديد .
لا يدري ما الذي دفعه لإعادة فتح تلك الحقيبة التي يوم نجح في غلقها بصعوبة أقسم ألّا يقترب منها ثانية، فإذا به يعيد فتحها وإفراغ محتوياتها بكامل إرادته. من بين كل الأوراق والهوامش والمسودّات والقصائد عير المنتهية، كان يبحث عن ورقة بعينها، وجدها في الجيب الصغير الذي وضعها فيه بعناية، إنها تذكرة القطار الذي لم يلحق به منذ ثلاث سنوات .
مازال يذكر ذلك اليوم كأنه البارحة؛ يومها كان كل شيءٍ يحدث عكس ما أراد – كأن الأقدار أبت لحلمهما أن يكتمل، فكانت مشيئة الله ضد مشيئتيهما-. يذكر كيف استيقظ متأخراً عن ميعاده المعتاد بساعة كاملة -لأن المُنبِّه سقط الأرض مُتحطماً أثناء نومه-، كيف طار فنجان القهوة من يد أخاه الصغير قاطعاً ثلاثة أمتار في الهواء، ليُلطخ قميصه ببقعة لم ينجح في تنظيفها بسهولة، كيف تمزق بنطاله الأسود الجديد حتى قبل أن يرتديه، كيف –ولأول مرة في حياته- نسي أن يشحن بطارية هاتفه المحمول قبل أن ينام، وكيف فاته القطار –لأنه وبكل حماقة- وصعد على متن القطار الخطأ.
لم يُدرك أنها في الوقت ذاته كانت تتأمل تلك الفاتورة القابعة في أسفل أحد أدراج المكتب –بين القصاصات والأوراق والخطابات والاسكتشات الغير مُكتملة- . فاتورة حساب قهوتها التي احتستها باردة وحدها، في المقهى الذي جلست فيه وحدها، وحدها لأنه لم يأتِ. لم يُدرك أنها تتفحص تلك الفاتورة الصغيرة -بشكلٍ شبه يوميّ- لتتأكد أنها انتظره في المكان الذي اتفقا عليه، واليوم الذي اتفقا عليه، والوقت الذي اتفقا عليا، انتظرته ولكنه لم يأتِ .
لم يحاول الاتصال بها من بعد ذلك اليوم لظنّه أنها ربما لم تكن تنتظره يومها وأنها حتماً استجابت لضغوطات والدها وتزوجت من ابن عمّها في اليوم التالي .
 لم تحاول بعدها الاتصال به ظناً منها أنه قد عدل عن رأيه وفضّل السفر إلى الخارج على البقاء معها ومحاربة الواقع من أجلها –كما كان يعدها دوماً-.
لم يُحاول أحدهما الاتصال بالآخر مرة أخرى وإن بقيت حياتيهما معلقتين بلقاءٍ على المقهى خُطط له منذ ثلاث سنواتٍ لكنّه لم يتم .

Tuesday, September 20, 2011

تعثر

مقدمة لابد منها

البوست دا أنا بهديه لكل الناس اللي نفضولي يوم ما كنت في القاهرة، شكرا إنكم إديتولي وقت أقعد مع نفسي وأفكر مع نفسي وأتأمل مع نفسي وألف ف وسط البلد مع نفسي

شكرا لشارع طلعت حرب بمبانيه، بمحلاته، بناسه، برصيفه، بسلم الميترو اللي ف آخره، شكرا على الإلهام

شكرا للصديقة العزيزة شيماء حسن والصديقة الجديدة الجميلة كارمن، شكرا على إعادة الثقة ليا

شكرا لأي حد وأي حاجة ساهم بطريقة أو بأخرى ف إني أرجع أكت تاني بعد انقطاع أكتر من ٩ شهور

شكرا

تعثر

فتاة صينية ف العشرينات من عمرها تفترش الأرض عارضة بضاعتها من الأحذية الجلدية زهيدة الثمن، آملة في أن تجمع ما يعوضها عن فراق الأهل والصحب والدار، تتظاهر بإعادة ترتيب بضاعتها محاولة إخفاء صدرها النحيل -خلف ذراعيها- من ذلك الضخم الذي وقف يلتهمها بنظرات دونية، هي تعلم جيدا أنه يتفحص جسدها دون أن يهتم ببضاعتها القليلة ولا بألمها الكبير، ولكنها لا تستطيع حتى أن تنهره. تزفر في حنق لاعنة المعيشة القاسية ولقمة العيش التي دفعتها إلى مطاردة حلم بائس في بلد أبأس، حلمها الذي تحول من رغبة في الثراء والحياة الكريمة إلى فقط الأمل جمع ما يكفي لرحلة العودة إلى الوطن.

جندي من جنود الجيش يرتدي زيه التقليدي المموه، يبدو من ملامحه أنه لم يتعد العشرين من عمره، بشرته داكنة، وجهه شاحب، حذاؤه مهترئ كقلبه الصغير، بندقيته الآلية أصابها الصدأ. يقف في صمت
أمام المبني الجديد لأحد البنوك الشهيرة، يتأمل العملاء من أصحاب السيارات الفارهة والملابس الفاخرة والطباع الحادة. هو حقا لا يحقد على زبائن البنك ولا على رواد المقاهي والمطاعم الشهيرة المجاورة ولا حتى على طلاب الجامعة الأجنبية في الشارع الموازي، كل ما يحلم به هو إتمام فترة تجنيده والعودة إلى قريته الصغيرة لينشغل بأسرته وبحياته التافهة وأحلامه البسيطة التي لا يدري معظم الأثرياء -الذين يحرسهم ويحرس أموالهم- حتى بوجودها. يلمح تلك الشقراء متجهة نحو ذلك الشيخ ذو العكازين، يحاول تحذيرها لكنها لا تسمعه، يشاهد الارتطام وتجمع المراهقين حول الأجنبية الحسناء، يستجيب لصرختها قبل حتى أن تنطلق، يسرع نحوها يلتقطها من بين أيديهم، ينظر نحوها في ذهول، يهم بالسؤال عن حالتها والاطئنان عليها، لكنه أيقن أنها لن تفهمه، استدار في سرعة وعاد إلى نقطة حراسته داعيا الله ألا يشعر قائده بغيابه

طفلة لم تتعد العاشرة من عمرها، رثة الملابس، قذرة المظهر، حتى روحها التي لم يكتمل تكوينها بعد قد أصابها الوهن. تنظر نحو العابرين بعيون يكسوها استعطاف زائف أتقنت رسمه من طول التحافها ببرد الرصيف، تنظر نحو ذلك البدين صاحب الأكياس البلاستيكية المكدسة في استعطاف عله يشفق عليها وينقدها قطعة فضية قد لا تمثل له أية أهمية لكنها تعني لها الكثير. يتجاوزها البدين في برود فتتطلع في صمت نحو أكياسه التي يحملها، لابد أن لديه ما يصلح للأكل

سائحة ألمانية شقراء تتجاهل عرقها المتساقط على جبهتها، ترفع زجاجة المياه إلى شفتيها وترتشف الماء في نهم، آملة أن تنجح قطرات المياه الباردة في تعويض ما فقدته من السوائل. تصطدم بذلك الكهل ذي العكازين، فتندفع مسافة مترين للأمام قبل أن تسقط على وجهها وتتدحرج أرضا، امتدت إليها عشرات الأيدي، حاولت التعلق بإحداها لكنها فشلت، اكتشفت أن الأيدي امتدت نحوها لا لنجدتها ولكن لمحاولة العبث بما تطاله من جسدها الأوروبي البراق، يد واحدة امتدت نحوها واختطفتها من بين الأيادي العابثة. نهضت في ذهول غير مصدقة ما حدث لها، حاولت شكر ذلك الغريب الذي أنقذها لكنها لا تفقه لغته، وهو قطعا لن يفهم ألمانيتها -في تلك اللحظة تحديدا تمنت لو أنها عملت بنصيحة صديقتها والتحقت بفصل تعلم الانجليزية، لربما أفلحت في التواصل مع ذلك الغريب ذو البشرة السمراء-. نظرت نحوه في صمت مكتفية بهمهمات غير مفهومة والكثير من الدموع

شاب عشريني بدين يحمل الكثير من الحقائب البلاستيكية، يظهر من نظرته المنبهرة وانفعالاته الساذجة كلما مرت عليه فتاة ترتدي أكماما قصيرة أنه ليس من سكان المحروسة، يتوقف كل دقيقتين لالتقاط أنفاسه اللاهثة وسؤال أحد المارة عن وجهته، يحاول السير بأسرع ما يسمح به جسده المترهل عله ينجح ولو مرة واحدة في اللحاق بقطار الساعة الثالثة. يتوقف أمام تلك الآسيوية الضئيلة، يتخيلها بأثدائها الضامرة ومؤخرتها النحيلة وهي تصرخ معترفة بفحولته القجة وتئن تحته من وطأة جسده الثقيل،يتصبب عرقا يتلعثم في وقفته ليسقط أرضا. تتمزق إحدي حقائبه وتتساقط محتوايتها أرضا، يسقط بجوارها ناظرا نحو المارة مستجديا المساعدة من أحدهم، يتجمع حوله شخصان أو ثلاثة يهمان بمساعدته، غير أنهم يتشاغلون بتلك الألمانية الشقراء التي سقطت على الجانب الآخر. تختطف تلك الصغيرة حقيبتين من حقائبه وينطلق كالسهم نحو شارع جانبي. يهم البدين بمحاولة اللحاق به لكنه يدرك أنها ستكون محاولة غير مجدية، يسرع بتفحص حقائبه ليكتشف أن اللصة الصغيرة سرقة حقائب ثيابه الجديدة، ينكب على باقي الحقائب ملوحا بقبضته ومتمتما بسباب بذيء

كهل سبعيني يمشي على عكازين يحاول الإسراع في الخطو بمقدار ما تسعفه خشبتيه المهترئتين من كثرة نحت الأرض لهما ونحتهما للأرض. يتحسر على كل الخطى التي لم يخطها حين كان قادرا على ذلك، ينظر بأسى نحو الرصيف المقبل، أسى لا يعرفه سوى رجل يجاهد كل يوم لعبور الشارع آملا فقط في الوصول إلى الجهة المقابلة دون أن يفقد أيا من أطرافه الباقية، يقطع أفكاره تلك الحسناء التي ارتطمت به فأسقتطه أرضا وسقطت معه، حاول أن يمد يده ليتعلق بعكازه، بأحد المارة، بالسلم الحديدي، بأي شيء، لكن يده الواهنة لم تستطع الإمساك سوى بالفراغ. شعر بنفسه يندفع إلى الخلف، تدحرج دحرجتين على سلم نفق الميترو. كل ما رآه بعد ذلك منظر مهيب للعذراء تتوسط الأفق محاطة بالملائكة من كل الجهات

Monday, January 17, 2011

شعرة بيضاء


أنهت وضع مساحيق التجميل على وجهها وهمت بالقيام ولكن أفزعها منظر تلك الشعرة البيضاء الصغيرة في جانب رأسها الأيمن، همّت بانتزاعها –كما فعلت مع مثيلاتها من قبل- ولكن شيئاً ما منعها من ذلك. شعور داخليّ انتابها فجأة جعلها تتطلع للمرآة في ذهول. راحت تتأمل ملامح وجهها، تلك الخطوط الصغيرة الآخذة في الظهور، ذلك الإرهاق المزمن الواضح عليها، تلك الهالات السوداء حول عينيها .

لم تلتفت يوماً لبشرتها الآخذة في التشقق، ولا للتجاويف الدقيقة التي تحيط بكل أعضاء وجهها، ولا للشعرات البيضاء الآخذة في الظهور تباعاً، كانت فقط تغض طرفها وتغطي ذلك بمساحيق التجميل. حتى قلة زبائنها المعتادين وعزوفهم عن المرور على الناصية التي اعتادوا التسكع حولها، كانت تبرر ذلك بقلة الأموال أو ضعف الرغبة لدى الرجال بسبب ظروف البلد أو ما شابه . لكن الحقيقة الآن أصبحت أشرس من أي مخلوق رأته يوماً في كوابيسها العديدة، الحقيقة الآن أصبحت لا مفر منها. الأموال لم تنفذ لدى الزبائن، والرغبة لدى الرجال لم تكن أكثر سعاراً منها الآن، لكنه الزمن  جار عليها وفعل بها أفاعيله، لقد كبرت في السن وظهر من يفقنها جمالاً وصباً .

هل حانت اللحظة التي طالما قتلت محاولات التفكير فيها، هل حان الوقت لكي تترك ناصيتها المعتادة وتلتزم بيتها، هل حان الوقت لكي تعتزل الرجال وكل ما يذكرها بهم. ربما ستعتكف في بيتها، وستتوب إلى الله وترتدي الحجاب أو ربما تنتقب ، وستلتزم بالصلاة وما شابه، ستغير مكان إقامتها وتسافر للحج، ربما أيضاً تبني مسجداً أو داراً للأيتام . ربما هذه هي إشارة السماء لها بأن تتوقف عن كل ما تفعله وتبدأ في الاتجاه إلى الطريق الذي يقولون أنه الصحيح .

ربما قد تفعل هذا كله، لكنها حقاً لم تتمنَ التوبة من قبل، في الماضي كانت دوماً تحدث نفسها أنها محظوظة وأن الله يحبها وأنه لن يتركها في طريق الضلال إلى النهاية. لكنها بمرور الوقت تشاغلت عن تلك الفكرة مع ما تناسته من الأفكار والأشخاص والعواطف. أصبحت الآن تدرك أن أمثالها لا مثيل لهم سوى الاحتراق .

أمسكت بهاتفها وطلبت رقم ذلك الداعية المعروف، عندما أجابها أرادت أن تبكِ، أن تحكي له عن قصتها وأن تشرح له عمّا تعانيه، لكنها لم تشعر حقاً بالخشوع فاكتفت بأن طلبت منه الدعاء. انتزعت الشعرة البيضاء في سرعة، أحكمت ارتداء ملابسها وفي هدوء انطلقت إلى ناصيتها المعتادة .

Friday, January 7, 2011

أمل


"غداً سيختلف بالتأكيد"
ظل يردد تلك الجملة قبيل نومه -كما اعتاد دوماً- حتى تشبعت بها روحه وأوشك على تصديقها 
في الصباح استيقظ -كعادته- قبل أن ينطلق جرس المنبه بدقيقتين، لا يعلم حقا ما الذي يوقظه في هذا التوقيت، حاول مراراً أن يغير ميقاتي المنبه لكنه دوماً يستيقظ قبل انطلاقه بدقيقتين 
ينهض من فراشه متكاسلاً، يفتح نافذته على مصراعيها داعياً أشعة الشمس للدخول لكنها أبداً لا تفلح في تجاوز البناء الضخم المواجه له. رغم علمه أن كل ما سيدخل من نافذته هو الظل والغبار، وأن أشعة الشمس لن تخترق البناء المواجه، إلا أنه مازال يحلم بنجاح أحد الأشعة في التسلل إلى نافذته وقتل الظلال داخل روحه. 
 بعد دقائق الانتظار  يدرك أن الشمس –مثلها مثل باقي المخلوقات- تضن عليه هي الأخرى، وأنه ليس مقدراً له أن يشعر ببعض الدفء أو أن تداعب قلبه الفرحة بالنور، فيغلق نافذته في صمت. يرتشف فنجان القهوة الصباحية على عجل، يرتدي زيه الرسمي، يرسم على وجهه ابتسامةً يحاول جاهداً ألا تبدو مصطنعة، وينطلق في رحلته اليومية. 
يعود إلى غرفته قبيل انتصاف الليل، يغلق بابها في إحكام ويحاول فتح أبواب روحه الموصدة، يحاول الاستسلام لِذاتِه، يحاول أن يخرج بعض مما يتراكم داخله من الانفعالات والرغبات والصرخات والألم، لكن ذاته التي ألجمها طوال النهار رفضت أن تطاوعه وفضلت الانزواء في إحدى الأركان المظلمة داخل تجاويفه –وما أكثرها-. يضبط ميقاتي المنبه آملاً ألا يستيقظ قبل ميعاده بدقيقتين، يستوي على فراشه الصغير عاقداً محملقاً في تكوينات الرطوبة أعلى سريره. يُقرّر أن ينام الليل مُنبسطاً على ظهره، فاتحاً ذراعيه للا شيء، لكنه سريعاً ما يتراجع عن الفكرة –بفعل البرد أو بفعل الخوف، أو في الأغلب كليهما معاً- ينقلب على جانبه الأيسر، يضمّ ركبتيه إليى صدره ويحوطهما بذراعيه –علّه يوهم ذاته أن هناك من يحتضنه فترُدُّ عليه ببعض الأُلفة-. يُغلق عينيه وأذنيه ويكتُم أنفاسه في محاولة للقضاء على فوضى الأصداء المتداخلة داخل رأسه، أخيراً ينجح في التركيز على الصدى الصوت الوحيد الذي يريد أن يُصدّقه
 "غداً سيختلف بالتأكيد"

Friday, December 31, 2010

المختار


كل شيء كان يقول أنه هو، كل الدلائل كانت تدل على ذلك، كل العلامات التي لا تخطؤها القلوب ولا الأبصار، كل ما فيه كان يقولها صريحة؛ أن النبوءة تنطبق عليه بحذافيرها، أنه هو المختار ولا أحد سواه .
 "سيأتيكم من ليس له اسم، نبت في أرض لم يحرثها بنو الإنسان، مخلوقٌ من طينة الجبابرة القدماء، معلَّمٌ بعلامة ثورٍ بريّ، مختومٌ بخاتم الآلهة المقدس، فأطيعوه، واتبعوا الطريق الذي يسلكه، فإن خلاصكم يكون على يديه"
لا يعلم أحد متى كانت النبوءة ولا من أطلقها، لكن كل أبناء عشيرة الإيتانيين يحفظونها عن ظهر قلب وكلهم يؤمنون بها بل إنهم يعدون من يشكك فيها من المهرطقين . وحده هو لم يؤمن بها مطلقاً، ربما لأنه يدرك أنه أقل من أن يكون قائداً أو مختاراً، هو فقط يريد أن يصبح عادياً .
لكن معالم النبوءة تتضح شيئاً فشيئاً، وانطباقها عليه أصبح من المسلّمات التي لا تقبل الجدل. فهو يتيم غير معلوم الأب ولا الأم، وجده أحد الصيادين ملفوفاً في عباءة وملقىً على شاطيء البحيرة الكبرى. هو لا يشبه حقاً الجبال، لكنه أضخم أهل إيتانيا وأقواهم بنياناً. في صغره هاجمه ثورٌ هائجٌ مما ترك في جبينه علامة لم يستطع الزمن أن يمحُها. أما خاتم الآلهة المقدس فلا أحد يعرف ما ذلك الشيء .
منذ صغره –وبعدما ظهرت عليه علامات النبوءة- ضمه كهنة المعبد إليهم ونقلوا إليه كل أسرارهم وفنونهم المقدسة. أتقن منذ صغره القتال والمنازلة وعلوم الطب والكيمياء والسحر، حتى الأسرار الكهنوتية المحرمة التي لا يعلمها إلا الكاهن الأكبر علّموه إياها .
حين بلغ الحادية والعشرين من عمره، رأى كاهن المعبد الأكبر أنه صار مستعداً لتحمل أمر النبوءة، وأن الوقت قد حان ليشن الإيتانيين حربهم المقدسة. استدعاه الكاهن إلى المعبد ليعقد مجلس الحرب ويضيء لهم الطريق المقدسة للنصر. حاول إقناع مجلس الكهنة أنه ليس من تنطبق عليه النبوءة وأنه ليس مختارهم المزعوم، حاول إخبارهم أنه ليس مستعداً بعد وأنه ليس في إمكانه قيادتهم، لكن صوت الكهنة كان أقوى من صوته، ورأيهم كان أقرب لقلوب الإيتانيين من رأيه، فلم يستطع الاعتراض .
هو لا يؤمن حقاً أن باستطاعته قيادة الجيش أو حتى القتال. هو حتى لا يؤمن بالنبوءة، ولا يصدق أنها حقاً وحيٌ نقلته الآلهة إلى الأب الأكبر لإيتانيا حين أمر بإنشاء المعبد كما يقولون، هو يرجح أنها مزحة من أحد المهرجين أو قصيدة لأحد الشعراء أو حتى إرهاصة لأحد السكارى –وما أكثرهم في إيتانيا-
ولكن حتى وإن كان لا يؤمن بالنبوءة ولا بقدرته على تحقيقها، فهو لا يمكن أن يتراجع عنها، لقد خرج الأمر من حيز المشيئة بالنسبة له. كما أنه ليس لديه حقاً ما يخسره، لا عائلة ولا أصدقاء ولا رفيقة ولا شيء، إذن فلا مانع من أن يجرب قيادة جيشهم المزعوم، لعل الآلهة ترؤف بحاله وتكتب له النصر .
ولكن كيف لآلهة إيتانيا بما لها من جبروت وجموح وغطرسة –كما رُوِيَ له- أن تنصر من شكك دائماً في وجودها وقدراتها ومن لم يؤمن يوماً بوحيهم ونبوءتهم المزعومة وعلاماتهم المقدسة، في حين أنها لا تنصر الخاضعين النُّسَّك المساكين الذين ينفقون قوتهم وقوت عيالهم من أجل استرضائها  . إن ذاته هي الشيء الوحيد الذي عليه أن يؤمن به، هي الشيء الوحيد الذي سيساعده في حربه وحرب الإيتانيين، إذن فليؤمن بذاته وقدرته، وليذهب الآلهة إلى الجحيم .
انطلق جيش الإيتانيين الجرار مكتسحاً أمامه المدن والممالك الصغير المجاورة، جار على الممالك الضعيفة أولاً، أتى على الأخضر واليابس، ولم يخلّف وراءه أي رأسٍ كما أمره كبير الكهنة. نجح الإيتانيون وجيشهم الضخم في تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الحرب المقدسة، انتشرت الأقاويل عن الإيتانيين وجيشهم الحاشد، عن وحشيتهم وتعطشهم الوحشي للدماء، نجحوا في بث الرخوف والهلع في نفوس الآخرين، فكانت الممالك تسقط أمامهم دونما أدنى مقاومة، ودون رفع للسلاح .
كانت الأخبار ترد إلى إيتانيا عن انتصارات جيشهم الساحقة فتزيدهم إيماناً بالنبوءة وصدقها، وتزيدهم تحرقاً لانتظار بشارة سيادتهم المزعومة. كان كل شيء يسير كما أرادوا حتى ذاق الجيش كأس الهزيمة في نوراسيا، تبعها انكسار ساحق في كاروزيا فقتل كل أحلامهم في النصر الإلهي المقدّس .
عادت بقايا الجيش المحطمة إلى إيتانيا مكللة بهالات الموت وصيحات القتلى الفزعين، تحلق فوق رؤوسهم الجوارح من الطير وتحوطهم الهزيمة من كل ناحية، ليجدوا محكمة الآلهة المقدسة منعقدة في انتظارهم أمام المعبد يترأسها الكاهن الأكبر ويحضرها كل من خلفوه ورائهم وجازفوا بحياتهم من أجل تحقيق نبوءتهم الكاذبة وحلمهم المزعوم . أصدرت محكمة الآلهة المقدسة حكمها دونما مرافعة ولا مداولة ولا تحقيق؛ فقط تلى الكاهن الأكبر الاتهامات وصدر الحكم على الفور .
 لم يشك أحدهم في النبوءة، ولم يفكر أحد في التحقق من صدقها وثبوتيتها، لم يظن أحدهم ولو للحظة أن النبوءة ربما لا تتحدث عن جيش ولا عن حربٍ مقدّسة، كلهم تجاهلوا التحقق من النبوءة ومن نصها، ولكن اتفقوا على أن مختارهم المزعوم ليس من تتحدث عنه النبوءة، بل هو ابن سفاح أرسلته لهم الشياطين كي تضللهم وتصرف همهم عن البحث عن المختار الموعود –بدليل أنه لم يولد بعلامة الثور بل اكتسبها، كما أنه لا يملك خاتم الآلهة المقدس-. حكم عليه بأن يُصلب في ساحة المعبد وأن يُعزل من عاد من جنوده ويُحرموا من دخول المعبد والصلاة على أبوابه ويُجرّدوا من كل حقوقهم ليظلوا موصومين بالعار طول حياتهم .
انفضّت المحكمة ونُفذت الأحكام ومازال الإيتانيون في انتظار مختارهم الموعود ليحقق نبوءتهم المقدسة .

Saturday, November 13, 2010

المقعد الخشبي بالشرفة



حين رأيت والدي يجلس على المقعد الخشبي الخاص بجدي في الزاوية الغربية للشرفة، ظننته فقط يفتقد والده الراحل لكني لم أحتج إلى كثير من التدقيق لأدرك أنه يرتدي ذات النظارة السميكة والروب الأخضر الثقيل اللذين كان  يرتديهما جدي من قبل.

لطالما تعجبت من جلسة جدي تلك -ومن بعده والدي- كان يستيقظ من نومه لا يفعل شيئا غير الجلوس في الشرفة شارداً، صامتاً، يتأمل انعكاسات الضوء وتشكيلاته على صفحة ماء النهر في صمت.

أخبرتني والدتي أن جدي لم يكن هكذا دوماً، كان فيما مضى أشد حيوية وانفعالاً من طفل في السابعة من عمره، لكن حاله انقلب فجأة بعد وفاة والده. أصبح وحيداً، صامتاً، لا تظهر عليه آثار الحياة، أشد جموداً من مقعده الخشبي

بعد وفاة جدي، لا أذكر أن والدي بكى أو انتحب أو بدا عليه الانفعال أو التأثر، كل ما فعله أنه أتم عملية الدفن ثم أخذ دوره في الشرود وحل محل والده على المقعد الخشبي في الشرفة مرتديا ذات الملابس راسما نفس النظرة المبهمة .

أخبرتنا عمة والدي أن جلسة والدي -وجدي من قبله- هي ذات الجلسة التي كان يجلسها والدها قبلهم. أقسمت خالتي أن هذا المقعد ملعون، يختطف رجال العائلة واحداً تلو الآخر ولابد أن نتخلص منه قبل أن يقتل والدي كما فعل من قبل مع أبويه. لكن والدتي رفضت أن تسلب والدي الشيء الوحيد الذي يحبه في هذه الحياة.

لكني أنا من كرهت المقعد وصممت على كسره أو بيعه أو إحراقه، لا أدري إن كنت أخشى على والدي من أن يقتله المقعد أم لأني أعلم جيدا أني سينتهي بي الحال كما أسلافي مرتدياً ذات النظارة السميكة والروب الأخضر الثقيل، محملقاً في اللاشيء

Monday, November 8, 2010

صمت

 
لا ندري حقاً من منا دخل الحالة أولا، من منّا اختار الصمت . لكنّا وافقنا عليه معاً و رضينا به سيداً للوضع بيننا . 

في فترة خطبتنا كانت لقاءاتنا و زياراتنا و أحاديثنا الهاتفية لا تنقطع، حتى في أشهر زفافنا الأولى كنا لا نكاد نصمت. بمرور الوقت أصبحنا نكتفي بمحادثات أوقات الشاي و الطعام و تحيات الاستيقاظ الخاطفة. بعدها أصبحنا نكتفي بالأحاديث الروتينية الباردة، ثم أخيرا اختفتى الابتسام بيننا وبدأ الصمت . 

أصحو من نومي، أتأملها، أتحسس وجهها بأصابعي، مازالت كما هي منذ تقابلنا أول مرة -ملاك بكل معاني الكلمة- وجهها الرقيق، بشرتها، ملمسها الناعم، رائحتها الخلابة، كل شيء كما هو لم يتغير، إلا ابتسامتها و لمعة عينها قتلهما الصمت أو قتلتهما أنا . 

تستيقظ هي الأخرى، تتأملني، ننهض سوياٍ، نفطر سوياً، نرتدي ثيابنا سوياً و نخرج سوياً، لكن يفصلنا الصمت . 

لا أدري حقاً سبباً للصمت، مازلت أحبها كما كنت بل ربما أكثر من قبل، مازالت تملأ كل كياني. مازلت أقضي يومي في تحضير كلامي، مازال في داخلي ما أريد أن أبوح به، لكن كلامي يأبى أن يخرج فأكتفي بالنظر إليها . 

هي أيضا تفعل مثلي، تتأملني، تفكر، تنازعها الكلمات، لكن فمها يأبى النطق. عينها تشي بها، تقول أنها تحبني كما أحبها. أنها مثلي تريد البوح، لكن يمنعها الصمت . 

لابد و أن ننهي تلك الحالة، أن نخرج من ذاك القفص اللعين، أن نهزم هذا الصمت. أُوقِف السيارة، ألتفتُ إليها، أجدها تتأملني في شغف، أمد يدي نحوها، أتحسس كف يدها. تحتضن أصابعي في حنان، أبتسم لها، أهم بالبوح لكن لا أقدر، لا أجد ما أُعبر به عمّا بداخلي، فأكتفي بالصمت، تدمع عيناها، أحتضنها، تختلط دموعنا، نتشابك طويلا، نكاد نلتحم، ولكن يفصلنا الصمت .

Saturday, August 14, 2010

أسرة


ثلاثة أشهر على الأكثر و ينتهي كل شيء
 قالها لي طبيب الأورام الشهير مواسياً بعد أن وصل الورم داخلي إلى مرحلة لا يمكن الشفاء منها. رغم قوله الصادم إلا أني لم أشعر بالأسى تجاه نفسي إذ كنت أتوقع ذلك بل و أنتظره 

ودعته و انصرفت في هدوء إلى منزلي، عندما وصلت كنت قد قررت ألا أخبر زوجتي و أولادي بذلك الخبر فلا حاجة بهم أن يحزنوا قبل الأوان، ثم إنني مازال أمامي ثلاثة أشهر كاملة لأقضيها معهم، إذن لأجعلها أسعد أيام حياتنا علّهم يذكرونني بالخير بعد رحيلي 

سآخذهم في رحلة إلى الخارج لنقضيها سويا، سنزور كل البلاد التي لا نعرفها، و نرى كل الأماكن التي طالما حلمنا بها، سنجرب أشياء جديدة و تجارب جديدة و سنعيش كما لم نفعل من قبل

مررت على شركة الطيران و حجزت التذاكر للسفر إلى باريس، اشتريت لزوجتي زهورها المفضلة و أحضرت طعام العشاء و بعض الحلويات و اتجهت إلى المنزل. حين وصلت، وجدته مظلما، كئيبا و خاليا من أي صوت، ظننت أنهم خلوا إلى النوم مبكرا 

قررت ألا أزعجهم و اتجهت إلى غرفة نومي. لم أجد زوجتي هناك فأضأت المصباح و وجدت ورقة موضوعة فوق السرير، قرأت فوجدتها رسالة من زوجتي تخبرني أن الطبيب قد أخبرها كل شيء و أنها أخذت الأولاد و ذهبت لأمها، وأنها تنتظرني هناك لأمر عليها أنا و المحامي لكتابة الوصية و لننظم سويا لحياتها و حياة الأولاد بعد رحيلي

Saturday, August 7, 2010

البريء






"
حكمت المحكمة حضوريا ببراءة المتهم من التهم الموجهة إليه" حين نطقها القاضي في آخر جلسات القضية كنت كمن ردت إليه روحه بعد انتزاعها، حين خرجت من باب المحكمة في طريقي لعربة الترحيلات كنت كمن يرى الضوء لأول مرة، رغم شدة سطوع الشمس إلا أني رحت أتطلع إليها في تلذذ لم أعهده من قبل 

إنها المرة الأولى منذ سنة كاملة التي سأشعر فيها بالحياة تدب في أوصالي من جديد، يمكنني الآن أن أتنفس بحرية وأضحك بحرية، أتقافز، ألهو، أمرح، أعيش بحرية. لا أذكر آخر مرة شعرت بهذا الإحساس من قبل، لكني أدرك جيدا أني لن أفرط فيه بعد الآن 

حين خرجت من السجن لم أجد ما تمنيته، لم أجد أحدا في انتظاري كما كنت أتوقع، لا الأهل ولا الجيران ولا الأصدقاء، لا أحد . حتى نسمات الهواء لم أجدها في استقبالي 

حين وصلت إلى حينا، أدركت حقيقة أن المتهم مدان حتى لو ثبتت براءته. الكل أصبح يتحاشاني الآن، أرى عيونهم تدور في محاجرها، أسمع همهماتهم وتهامسهم وتعليقاتهم القذرة، أشعر بنفورهم وكراهيتهم. حسنا أيها الغوغاء أنا أمقتكم أكثر، أكرهكم أكثر، أنفر منكم أكثر . 

حين صعدت وجدتها هناك تماما كما توقعت، تقف أمام باب شقتها مرتدية واحدا من أثواب نومها الشفافة التي طالما حاولت إغوائي بها ولم تفلح فاتهمتني باغتصابها. حين نظرت نحوها، شعرت بالاشمئزاز منها، شعرت بالغثيان، لكم أمقت تلك اللعينة. أردت أن أبصق عليها، أن أسبها، أن أركلها أو أحطم أنفها البلاستيكي اللامع، أردت أن أقتلها. لكني لم أفعل، فقط أشحت بوجهي عنها وأكملت طريقي نحو باب شقتي 

استمر الحال على هذه الوتيرة طيلة أسبوعين، الناس في همسهم وحديثهم وهي في سفورها وصفاقتها، وأنا لا أفعل شيئا سوى التجاهل. لكني لم أستطع كبح جماح غضبي للأبد، لم أستطع أن أسيطر على نفسي، ليس بعد الآن. قررت الانفجار بعنف، سأنتقم منها ومن الناس ومن نفسي أيضا، سأحقق ما اتهموني به، وسأفعل فيها ما يجعلها تندم على عبثها معي

حين رأيتها جذبت شعرها المموج بكلتا يدي وسحبتها منه كما يسحب العبيد، أدخلتها شقتي ورميت بها على الأرض في عنف وأغلقت الباب. لكمتها في عنف، مزقت قميص نومها، واعتصرتها في شراسة. كل ذلك وهي لم تصرخ صرخة واحدة، ولم تسقط منها دمعة واحدة. حين نظرت في وجهها لأعلن لها أني أتممت انتقامي وشفيت غليلي، وجدتها في قمة التلذذ، في عينها لمعة الشماتة وعلى شفتيها ابتسامة الظفر

Thursday, July 29, 2010



لم يكن موعدنا الأول ولا خلوتنا الأولى،كان مجرد واحد من لقاءاتنا المعتادة ، كانت مجردة واحدة من لمحات الغباء المتكررة في أي يوم عادي من أيام يوليو الخانقة.

الإرهاق يلون كل شيء، بشرتها، شعرها، ملابسها، مقعدها، يمتزج برائحة عرقها، يتبخر مع أنفاسها الحارة، يسيطر على كل مظاهر الحياة فيها، رأسها يسقط على المنضدة في إعياء واضح

حسنا، إنها فرصتي الآن، الأمر لم يكن بمثل هذه السهولة من قبل، نحن وحدنا تماما، هي في قمة التعب، وأنا وصلت لدرجة الغليان، سأستغل فرصتي وليحدث ما يحدث

مددت يدي نحوها في بطء، لابد ألا أوقظها قبل أن أصل هناك، بحذر أضع يدي أمام يدها، أتحسس أطراف أناملها في ارتباك

لم أكن أتوقع رد فعلها هذا، توقعت أن تبتسم في خجل، أن تغضب إن ساءها ما فعلت، أن تنهرني عن فعل ذلك. لكنها بدلا من أن تفعل أيا من هذا، تطلعت نحوي في صمت وامتلأت عيناها بالدموع

Saturday, July 3, 2010

ميكروويف





حين اشترى أول جهاز ميكروويف في حياته فعل ذلك للهرب من وطأة إلحاح زوجته رغم علمه التام أنها تريده لا لشيء إلا للتفاخر

رغم سهولة استخدامه وأمانه التام فقد ظل عاما كاملا يخشى من استعماله أو حتى الاقتراب منه

حين قررت زوجته العودة لممارسة عملها أجبره ذلك أن يعتمد على نفسه ويتعلم استخدام الميكروويف لإعداد طعامه بنفسه

رغم ملاحظاته العديدة على الطعام المعد في الميكروويف، إلا إنه افتتن بتلك الآلة السحرية حتى أدمن إعداد كل شيء بها

بعد خروجه من الخدمة أصبح إعداد الطعام في الميكروويف هوسه الأول، أصبح يمتلك ستة أجهزة متنوعة الأشكال والأحجام والخصائص، كل جهاز لإعداد صنف معين من أصناف الطعام

بعد وفاته أوصى لزوجته وأبنائه بأجهزة الميكروويف الستة وتبرع بكل ممتلكاته لمصانع أفران الميكروويف



Sunday, June 27, 2010

ابتسامة


حين رأيته أول مرة، راعني منظره، بائع جرائد أعمى له ذراع واحدة وساق واحدة يجلس داخل كشك صغير وبجواره فتاة لم تتجاوز الثالثة من عمرها، لكن ما استغربته حقا تلك الابتسامة العجيبة على شفتيه، لا أدري إن كانت ابتسامة رضا أو تراضي، هل هي ابتسامة أمل، أم لا تتعدى كونها ابتسامة مجاملة. لا أدري حقاً، لكنها كانت ابتسامة عجيبة

يقولون أنه فقد بصره وأطرافه وزوجته في إحدى الغارات الجوية إبان الحرب لكن الحكومة رفضت إعطائه تعويضا لأنه مدني 

تلك الفتاة الصغيرة ليست ابنته بل هي حفيدته، فقدت أهلها في الانهيار الجبلي الذي حدث مؤخرا وانتقلت بعد ذلك لتعيش مع جدها   وليس له سواها، وليس لها سواه .

شعرت بالتعاطف معه، قررت أن أعطيه مبلغا من المال، لكنه رفضه متعللا بعدم حاجته للمال.قالها وذات الابتسامة لا تفارق وجهه 

حسنا لقد بدأت تلك الابتسامة تستفزني، لقد أحرق ذلك الشقي أعصابي بابتسامته السخيفة تلك، لابد أن يفقد تلك الابتسامة بأية طريقة ممكنة 

لكنه لم يفقدها قط، حتى وأنا أطلق عليه الرصاص بأعصاب باردة بعد أن أحرقت كشك جرائده واختطفت طفلته الوحيدة من بين ذراعيه، ظلت نفس الابتسامة المستفزة تعلو وجهه

Thursday, June 17, 2010

هزيمة



"حافظ عليها كويس، لو ضاعت منك مش هتاخد غيرها" 

لم أدرك المقصود من تلك الجملة في حينها، لم أتخيل كيف أحفظها وكيف تضيع. لكن الآن أدرك كل شيء 



أدرك أني أضعتها بمحض إرادتي، أسلمتها بيدي للشياطين، شوهتها، مزقت أوصالها، واحتفلت على أشلائها بمجون 



إنني حتى لم أشعر بالندم على فقدانها، لم يوخزنِ ضميري، لم ألُم نفسي على تفريطي فيها. جل ما فعلته هو الانزواء ومشاهدة لحظاتها الأخيرة حين تسلمها ملائكة الجحيم 



الآن وبعد انتهى كل شيء، ألا يحق لي أن آخذ فرصة أخرى، الآن أعرف كل قواعد اللعبة، أحفظها عن ظهر قلب، ربما في إمكاني الفوز في الجولة القادمة،ربما إن حصلت على روح ثانية سأحسن الحفاظ عليها

Saturday, June 12, 2010

أجوبة


يقولون أن الموت هو الحقيقة المطلقة، و أن من يوشك على الموت يعرف كل الأجوبة . حسناً هذا هو ما يقولونه و لكن هل هذا حقيقي، أم هذا مجرد هذيان أحد السكارى في إحدى الحانات الرخيصة، لا أدري حقاً و لكن الوصول للحقيقة قد يستحق المغامرة، و المعرفة اللانهائية قد تستحق الموت من أجلها، حسناً هذا ما اعتقدته .
تخيل أن كل ما تحلم بمعرفته، كل ما دار يوماً بخلدك، كل ما تساءلت عنه يوماً، و كل ما أرّقك ذات يوم، كل هذا و أكثر ستصل إليه في لحظة واحدة، كل أفكارك و أضغاثك و هلاوسك، كل نظرياتك و خيالاتك و افتراضات، كل ذلك قد يُحل في لحظة واحدة، لحظة واحدة و تصل إلى كل شيء، بالتأكيد بعدها سينتهي كل شيء لكنك على الأقل لن تعِشْ مؤرّقاً ولا مُتسائلاً بعد الآن، في الحقيقة أنت لن تعش بعدها .
حسناً أعتقد أن الأمر يستحق، ولكن لأضمن أن أصل لمعرفة كل شيء، لابد و أن آخذ كل ما أستطيع من وقت، لابد أن أموت بطريقة لا تكون غاية في السرعة و بالتأكيد غير مؤلمة، حسناً سأستبعد الأسلحة و السموم و حوادث الطرق، ربما أقفز من فوق أحد المباني، أو ألقي بنفسي في الماء، ربما أجمع بين الاثنين و أقفز من فوق أحد تلك الأبراج المطلة على ماء، يمكنني حينها أن أستمتع بالسقوط بينما أصل للأجوبة .
حسناً، كل شيء كما يجب أن يكون، السماء رمادية قاتمة، لا الشمس أشرقت ولا السحب أمطرت ولا النسيم تلاعب بالأشياء، إنه حقاً اليوم المثالي للوصول للأجوبة . حسناً سأقف على الحافة و ألقي نظرة الوداع الأخيرة على الدنيا من خلفي، الآن سأفتح ذراعيّ على اتساعهما، سأغمض عيني و أقفز .
كل شيء حولي تغيّر، لم أشعر بإحساس الجاذبية على وجهي من قبل، و كأن كل شيء يسحبني للأسفل، الضغط يزداد على أذني، لم أعد أسمع شيئاً، لم أعد أستطع غلق عينيّ أكثر من ذلك، سأفتحهما الآن. يا الله، يالروعة هذا المنظر، لم أرَ الماء في حياتي بهذه الروعة، لم أشعر يوماً بمدى حبي لرائحة البحر، لم ... .يكفي هذا القدر من التأملات، لأحاول الآن أن أركز فيما جئت هنا من أجله، الوصول للأجوبة .
تباً .. أين ذهبت كل الخيالات، أين اختفت كل التساؤلات، أين ذهب كل شيء، لم يكن عقلي يوماً بهذا الفراغ، اللعنة على تلك الأفكار المقيتة، اللعنة على كل الأسئلة و الإجابات و الأحاجي السخيفة، اللعنة عليّ . سطح الماء يقترب كثيراً و يقترب و يقترب، الموج يزأر كألف ألف وحش، حتى الصخور التفت حول نقطة سقوطي في تناغم مدهش، الجميع أتى ليلتهم مني جزءاً، أيها الملاعين سحقاً لكم و سحقاً لي .
الآن كل شيء تكالب عليّ، الأرض تسحبني لأسفل، و الماء يقذفني للأعلى، و كأن كل خلية من جسدي قد انفصلت عن الأخرى لتسبح في اتجاه مغاير، أحس بجسدي يتفتت ألف ألف قطعة، وكل قطعة تنفجر بعيداً عن الأخرى، حتماً إنها نهاية كل شيء، العجيب أن أخيراً هناك سؤالٌ يُلحُّ عليّ